Skip to Content

توما الرسول - الأرشمندريت توما بيطار

  

توما الرسول

Click to view full size image

وأصرّ توما على ألا يؤمن ما لم يرَ السيّد، بعد قيامته، ويضعْ يده في جنبه. أؤمن إذا رأيتُ ولمست. فجاءه السيّد وقال له ضع يدك وأبصر.

كما تشاء يا توما! ولكنْ لا تكن غير مؤمن بل مؤمناً. فقط، إذ ذاك، أجاب توما وقال ليسوع: "ربّي وإلهي". تنازل السيّد. رغم ذلك أبان أنّ الطوبى هي

"للذين آمنوا ولم يروا" (يو 20).

      

ولكنْ، هل هناك أحد آمن ولم يرَ؟ هل هناك أحد آمن من تلقاء نفسه، كإنسان؟ كلا ولا واحد!

      

التلاميذ، الذين كان يُفترَض بهم أن يكونوا المثال، كلّهم، بلا استثناء، كانوا دون الإيمان الشاهد قامةً. كلّهم كان إيمانهم أسير الضعف البشري أو الهوى.

عايشوا المعلم سنوات. رغم ذلك لم تأتِ بهم العِشرة إلى الإيمان الحقّ. يهوذا باعه بثلاثين من الفضة. بطرس، بعدما قال إنّه مستعدٌ أن يبذل نفسه عنه، أنكره ثلاثاً. في المرة الأولى قال للجارية التي أبدت أنّه كان مع يسوع الناصري: "لست أدري ولا أفهم ما تقولين". وفي المرة الثانية أنكر أمامها أيضاً. وفي المرّة الثالثة

"ابتدأ يلعن ويحلف إنّي لا أعرف هذا الرجل" (مر 14). تكلّم بطرس عن السيّد كغريب. "لا أعرف هذا الرجل". وكل التلاميذ، في البستان، فرّوا كالأرانب.

"تركه الجميع وهربوا" (مر 14: 50).

      

نخطئ إن كنا نتصوّر أنّ بإمكان الإنسان، أي إنسان، أن يؤمن بيسوع بقوّة ذاته. أعطبُ هو مَن أن يؤمن. قلبه معترىً بالخوف من الموت. وعقله منقسم على نفسه بالشك. لا القلب قادر على الإيمان ولا العقل يعين.

      

الإيمان بيسوع هبة من فوق لكنّها لا تعطى لأي كان. تُعطى فقط لمَن يشتهونها ولو كانوا يخافون الموت لأنّ كل الناس يخافون. ليس في يد أحد ولا في طاقته أن يتخطى الخوف.

ولكنّها لا تعطى لمَن فكر قلبهم شرّير، لمَن يستسلمون لأفكار غير نقيّة وهم قادرون على رفضها ومقاومتها. يهوذا كان غير مؤمن بيسوع لأنّه كان محبّاً للمال. هذا حتى لا نتكهّن في شأن الأفكار الآثمة الأخرى التي كانت مستبدّة بقلبه. في تحليل القدّيس يوحنّا السلّمي أنّ روح حبّ المال وحش له ألف رأس.

"حبّ المال سجود للأوثان وثمر لعدم الإيمان... ابتداء حبّ المال تذرّع بالإحسان إلى الفقراء ونهايته مقت الفقراء. ما دام محبّ المال يجمع فهو رحوم ومتى حضرت الأموال أطبق عليها يده" (السلّم إلى الله. المقالة السادسة عشرة).

وفي موضع آخر يقول إنّ محبّ المقتنيات، من أجل إبرة، يلاكم حتى الموت. حبّ المال أصل كل الشرور لأنّه هو الذي يولِّد البغضاء والسرقات والحسد والفرقة والعداوات والاضطرابات والحقد وقساوة القلب والقتل (المقالة السابعة عشرة).

إذاً يهوذا كان مشحوناً قلبه بالأفكار السامة. هذا لم يكن حال بقية تلاميذ الربّ يسوع. كانوا سليمي النيّة، أنقياء من جهة ما هو في طاقتهم. صحيح أنّهم تنكّروا للسيّد ولكنْ عن خوف. لذلك بطرس لمّا وعى ما فعل بكى بكاء مرّاً. عرف ضعفه. خبِر عجزه. لكنّه لم ييأس.

لماذا لم ينتحر كما انتحر يهوذا؟

لا لسبب بشري بل لأنّ نعمة الربّ الإله حفظته.

"الرب يحفظ الأطفال". كان بطرس طفلاً قبلُ لم يعِ حقيقة الطبيعة البشرية ولا حقيقة نفسه. فلما غطس في عمق واقع نفسه أدرك ما هو عليه. بات بإمكان السيّد أن يلملمه وينفخ فيه روحه القدّوس ويجعله رسولاً له عن حقّ. أما يهوذا فلما ندم يئس وخنق نفسه. كان قلبه صلداً فلم تنفذ إليه نعمة الله. بقيت في الخارج. إرادة الله كانت ليهوذا أن يخلص وهو القائل في رسوله بولس إنّه "يريد أنّ جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحقّ يُقبلون" (1 تي 2: 4).

لكن فكر قلب يهوذا قسّاه فحال دون نفاذ النعمة إليه. يهوذا قتلته خطيئته!

      

حال بقية التلاميذ، وتوما أيضاً، كان كحال بطرس. أعطى الربّ الإله توما ما أراد لكي لا يعود هناك أي سبب بشري لعدم إيمانه. حتى هذا، حتى المعاينة واللمس لم يكونا كافيَين له ليؤمن، لذا لم يعطه السيّد الطوبى كما أعطاها لسمعان بن يونا يوم اعترف بيسوع أنّه المسيح ابن الله الحيّ. يومها قال السيّد لسمعان:

"إنّ لحماً ودماً لم يُعلِن لكَ لكنَّ أبي الذي في السموات" (مت 16).

هنا أيضاً لا اللحم ولا الدم ولا اللمس ولا المعاينة يعطي الإيمان بل النعمة الإلهيّة المنسكبة من فوق. إذاً الطوبى لمَن آمن ولم يرَ، لا لما هو للبشَرة، بل لما يعطيه الربّ الإله، لما يتخطى البشرة، لمَن لم يرَ. هذا يبثّه الله فينا فتصير لنا الطوبى إذ نقتبله.

      

هذا، بالضبط، هو السبب في تفوُّه توما بما قاله على الأثر: "ربّي وإلهي". هذا لم يقله توما بحسب الإنسان بل في الروح، في روح الربّ. الروح هو الذي تكلّم فيه كما تكلّم في بطرس يوم اعترف بيسوع أنّه المسيح ابن الله الحيّ. هذه تتمّة للكشف الذي أُعطي لبطرس.

المسيح هو الربّ والإله بالمعنى الأحدي والشخصي. "ربّي وإلهي" ليس فقط لأنّ يسوع استبان ربَّ توما وإلهَه بصفة شخصية بل لأنّ الربّ والإله واحد أيضاً. الآب هو الربّ والإله والإبن أيضاً هو الربّ والإله. ولكنْ ليس الآب هو المسيح بل الإبن. الآب غير الإبن والإبن غير الآب.

ومع ذلك الآب والإبن واحد في الربوبية والألوهة. طبيعتهما واحدة ومشيئتهما واحدة وفعلهما واحد لكنْ هذا غير ذاك. في اعتراف توما، إذاً، لنا كشف إلهي ثالوثي من جهة ما للآب والإبن.

      

كل كشف لما هو نازل من فوق منحدر من العلى. البشَرَة أعجز من أن تعرف الله.

"الجسد لا ينفع شيئاً. الروح هو الذي يحيي" (لو 6: 63).

ليس بطرس وتوما فقط مَن تكلّما بكلام الله بل لصّ اليمين أيضاً تكلّم كأحد العارفين لأنّه استنار بنور الله بعدما تحرّك قلبه بالتوبة. كلامه للصّ اليسار وليسوع ليس كلام بَشَر.

"أوَلا أنتَ تخاف الله إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه. أما نحن فبعدل لأنّنا ننال استحقاق ما فعلنا. وأما هذا فلم يفعل شيئاً ليس في محلّه.

ثمّ قال ليسوع اذكرني يا ربّ متى جئت في ملكوتك". "فقال له يسوع الحقّ أقول لك إنّك اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23). هكذا نال لصّ اليمين، ديماس، وهذا اسمه في التراث، الطوبى.

      

يبقى أن ندرك أنّ كل عطيّة صالحة وكل موهبة كاملة هي منحدرة من العلو، من لدن أبي الأنوار. هذا هو الإنسان: ضياء في تراب! فالمجد لله دائماً.

الأرشمندريت توما (بيطار)      
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي ? دوما

 

 



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +