Skip to Content

الصوم عند أشعيا النبي - الأخت سناء سماوي الفرنسيسكانيّة

 

الصوم عند أشعيا النبي

Click to view full size image

   الأخت سناء سماوي الفرنسيسكانيّة

ما بالنا صُمنا وأنت لم ترَ؟.. وعذَّبنا أنفسنا وأنت لم تعلم؟".. في يوم صومكم تجدون مرامكم وتعاملون بقسوةٍ... إنَّكم للخصومة والمشاجرة تصومون... لا تصوموا كاليوم لِتُسمِعوا أصواتكم في العلاء. أهكذا يكون الصوم الذي فضَّلتُه اليوم الذي فيه يُعذِّب الإنسان نفسه؟... أإذا حنى رأسه كالقصب وافترش المِسح والرماد تسمِّي ذلك صوماً ويوماً مرضيّاً للرب؟

أليس الصوم الذي فضَّلتُه هو هذا: حلُّ قيود الشر وفكُّ رُبُط النِّير وإطلاق المسحوقين أحراراً، وتحطيم كلِّ نير؟ أليس هو أن تكسر للجائع خبزك، وأن تُدخِل البائسين المطرودين بيتك. وإذا رأيت العريان أن تكسوه وأن لا تتوارى عن لحمك؟ حينئذٍ يبزُغُ كالفجر نورك ويندَب جرحك سريعاً ويسير برك أمامك ومجد الرب يجمع شملك.

(أشعيا 58/1-8)

 

الصــــوم المقبول ، والصوم المرفوض

يتحدث النبى هنا عن شكلية العبادة كعائق عن التمتع بخلاص الله ، والسكنى فى بيت الله ، .... خاصة فى الصوم وحفظ السبت . 

( 1 ) عبادة رياء

إن كان الالتصاق بعبادة الأوثان أثار روح الفساد والعصيان فى حياة الشعب، فأقاموا عبادة الأصنام تحت كل شجرة خضراء وفى كل واد وعلى الجبال والتلال علانية وارتكبوا الزنا ومارسوا الرجاسات وقدموا أطفالهم ذبائح بشرية ، لكن ما هو أخطر أنهم خلطوا هذا الشر العظيم بعبادة الله الحي إرضاء لضمائرهم . هذا هو أخطر عدو يواجه المتدينين ويعثر الناس فى معرفة الله : الرياء أو التستر على الشر والفساد بشكليات العبادة دون التوبة الصادقة .

الآن يطلب الله من النبي أن يتكلم علانية وبصوت عال كبوق يفضح ضعفاتهم ويعلن عن تعدياتهم وخطاياهم ، أى يكشف جراحاتهم حتى لا تهدأ ضمائرهم خلال عبادة مملوءة رياء . وكأنه بالطبيب الذى يكشف عن الجراحات أو الأمراض الخفية لعلاجها فى أعماقها .

يقول الرب : " ناد بصوت عال . لا تمسك . ارفع صوتك كبوق وأخبر شعبى بتعديهم وبيت يعقوب بخطاياهم " إش 58 : 1 .

فى العهد الجديد أرسل لنا ربنا يسوع روحه القدوس " يبكت العالم على خطية " يو 16 : 8 ، أى يكشف للنفس فى أعماقها جراحاتها الخفية ويثيرها للتوبة عوض التستر على الجراحات فتفسد الجسد وتهلكه .

عندما تحدث عن عبادة الأوثان أو الزنا أو إجازة أولادهم النار كذبائح بشرية لم يطلب الله من النبى أن ينادى بصوت عال كما ببوق لأنها خطايا واضحة لكنه إذ يتحدث عن الرياء يطلب ذلك ، لأنها خطية خفية تتسلل إلى نفوس المتعبدين ، يصعب على الإنسان اكتشافها . لهذا عندما وبخ الرب الزناة أو العشارين كان غالبا ما يتحدث معهم فرادى دون جرح لمشاعرهم ، أما مع القيادات المرائية فكانت كلماته حازمة وأحاديثه علانية .

لقد تستر الشعب بالمظاهر الخارجية مثل :

( أ ) الصلاة الظاهرة والمستمرة : " وإياى يطلبون يوما فيوما " إش 58 : 2 .

( ب ) الأبتهاج بالمعرفة الروحية العقلانية : " ويسرون بمعرفة طرقى كأمة عملت برا ولم تترك قضاء إلهها " إش 58 : 2 ، أى يواظبون على دراسة الكتاب وحضور الإجتماعات كما لقوم عادة ، أو كما ابتهج هيرودس بسماعه يوحنا المعمدان .

( جـ ) يظهرون غيرة نحو ممارسة العدل والتقوى ( إش 58 : 2 ).

( د ) " يسرون بالتقرب إلى الله " إش 58 : 2 ، أى التظاهر بأنهم قريبون من الله ، يتعبدون له ويعرفون أحكامه وقضاءه . 

( 2 ) الصوم المرفوض :

" يقولون : لماذا صمنا ولم تنظر ؟ ذللنا أنفسنا ولم تلاحظ ؟ " إش 58 : 3 . ويجيب على هذا بالآتى :

أ - " ها أنكم فى يوم صومكم توجدون مسرة وبكل أشغالكم تسخرون " إش 58 : 3 . لقد ظن الفريسى أن الله يسر به لأنه يصوم يومين فى الأسبوع ( لو 18 : 12 ) ، وهؤلاء أيضا يمارسون الصوم لكنهم يصنعون كل ما يسرهم لا ما يسر الله ، علامة ذلك أنهم على خلاف الناموس لا يعطون فرصة للعاملين عندهم للراحة ومشاركتهم أصوامهم وعبادتهم بل يسخرونهم من أجل الطمع ومحبة الأقتناء والغنى .

الله لا يريد صومنا عن الطعام مجردا ، إنما يرافقه صوم النفس عن محبة العالم والطمع ، الأمر الذى يظهر جليا فى معاملاتنا مع الغير. بمعنى آخر يليق بنا أن نضبط نفوسنا مع ضبط بطوننا .

ربما عنى " بالمسرة " هنا ليس فقط النفع المادى وإنما اشباع الملذات الجسدية عوض العفة .

ب - " ها أنكم للخصومة والنزاع تصومون ، ولتضربوا بتكمة الشر. لستم تصومون كما اليوم لتسميع صوتكم فى العلاء " إش 58 :4.

عوض أن يدين الإنسان نفسه ويلومها يوم صومه ، يدخل فى خصومة مع الغير ويدينه ، لهذا لا يقبل الله صومه ولا يسمع صوته فى العلاء . هذا ما حدث عندما أراد آخاب ملك إسرائيل وإيزابل أن يسلبا حقل نابوت اليزرعيلى ، إذ خططت إيزابل لقتله ظلما وطلبت من الشيوخ والأشراف أن ينادوا بصوم ( 1 مل 21 : 9 ، 12 ) .

يقول الأنبا يوساب الأبح : [ لا تصم بالخبز والملح وأنت تأكل لحوم الناس بالدينونة والمذمة . لا تقل إنى صائم صوما " نظيفا " وأنت متسخ بكل الذنوب ] .

جـ - " أمثل هذا يكون صوم اختاره ؟! يوما يذلل الإنسان فيه نفسه، يحنى كالأسلة رأسه وبفرش تحته مسحا ورمادا ؟! هل تسمى هذا صوما ويوما مقبولا للرب ؟! " إش 58 : 5

حسن للإنسان أن يربط الصوم بالتذلل والنسك ، لكنه إن توقف عند المظهر الخارجى فقد جوهره . كقول الرب :

 " ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين ، فإنهم يغيرون وجوههم لكى يظهروا للناس صائمين . الحق أقول لكم إنهم قد استوفوا أجرهم " مت 6 : 16 . 

( 3 ) الصوم المقبول

أ - تقديم أعمال المحبة عوض طلب المسرة الذاتية ( إش 58 : 3 ) وتسخير الغير لحسابنا . الصوم هو بذل " الأنا " وصلبها لكى يحيا المسيح " الحب " فينا ، فنحمل سمات محبته ونمارس عمله كأعضاء جسده . هذا هو الصوم فى مفهومه الإيجابى :

" أليس هذا صوما اختاره : حل قيود الشر ، فك عقد النير ، وإطلاق المسحوقين أحرار وقطع كل نير ؟! أليس أن تكسر للجائع خبزك ، وأن تدخل المساكين التائهين إلى بيتك ؟! إذا رأيت عريانا أن تكسوه، وأن لا تتغاضى عن لحمك ؟! "إش 58 : 6 ، 7 .

ما أجمل القول " لا تتغاضى عن لحمك " ، وكأن الصائم إذ يصلب مع المسيح يدرك أن لحم الآخرين هو لحمه ، حين يحل القيود إنما يحل قيود نفسه ، حاسبا نفسه مقيدا مع المقيدين ( عب 13 : 3 ) ، مسجونا مع كل سجين ، جائعا ومسكينا وتائها وعريانا مع من يعانون منهذه الأمور . بالصوم يحب الآخرين كنفسه ، بكونهم أعضاء بعضهم لبعض ، أو أعضاء تعمل معا فى جسد واحد للرأس الواحد ربنا يسوع . 

يقول القديس أغسطينوس :

+ سمعت من إشعياء : " اكسر خبزك للجائع " إش 57 : 5 ، فلا تظن أن الصوم كاف بذاته .

يضبط الصوم نفسك لكنه لا ينعش الآخرين . ضيقك لنفسك ينفعك إن كان فيه تعزية للغير . ها أنت تجحد نفسك ، انظر من الذى أعطيته ما قد حرمت نفسك عنه ؟! .. كم فقير شبع من الإفطارالذى حرمت نفسك عنه ؟!

( 4 ) ثمار العبادة الحقة

أ - التمتع بالنور الإلهى : " حينئذ ينفجر مثل الصبح نورك " إش 58 : 8 . إذ يمارس الإنسان الصوم بصورته الإيجابية إنما يتمتع بالأتحاد مع الآب خلال ابنه الوحيد بروحه القدوس ، فيصير الله " النور الحقيقى " مشرقا فيه كنوره الخاص به . " يشرق فى الظلمة نورك ويكون ظلامك الدامس مثل الظهر " إش 58 : 10 .

صورة رائعة للصوم المرتبط بالعطاء والبذل لحساب الغير خلال اتحادنا بالله محب البشر . إن كان المساكين والمتألمون يشعرون وسط مرارتهم كمن هم فى ظلمة فإن عمل المحبة النابع عن قلب متسع يكون كإشراقة الشمس التى تبدد الظلمة .

هذا النور لا ينبع عن مظهر العطاء الخارجى إنما عن تجلى رب المجد فى القلب المحب .

وكما يقول رب المجد يسوع : " أنتم نور العالم ....... فليضىء نوركم هكذا قدام الناس لكى يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذى فى السموات " مت 5 : 14 ، 16 .

الصوم المرتبط بالحب النابع من القلب حيث مملكة المسيح قائمة والمترجم بالسلوك العملى يلتحم مع صوم السيد المسيح فيتقدس ويقبل لدى الآب .

ب - التمتع بصحة الروح والنفس والجسد ، " وتنبت صحتك سريعا "إش 58 : 8 ؛

" وينشط عظامك فتصير كجنة ريا وكنبع مياة لا تنقطع مياهه " إش 58 : 8 ، 11 .

جـ - التمتع بالله كقائد للنفس وكمصدر مجدها الداخلى وبرها : " ويسير برك أمامك ومجد الرب يجمع ساقتك " إش 58 : 8 ،

" يقودك الرب على الدوام " إش 58 : 11 .

د - استجابة الصلاة : " حينئذ تدعو فيجيب الرب ، تستغيث فيقول هأنذا " إش 58 : 9 .

ما دمنا فى أصوامنا نتطلع لا إلى الشكل الخارجى إنما إلى انفتاح القلب لله خلال قدسية الحياة واتساعه بالحب نحو البشر ، لهذا يفرح الله بمثل هذا الصوم ، معلنا ذلك خلال استجابته للصلاة .

+ أتريد أن ترفع صلاتك إلى الله ؟ ليكن لها جناحا العطاء والصوم !

هـ - حالة شبع داخلى : " ويشبع فى الجدوب ( القفار ) نفسك " إش 58 : 11 . بذواتنا نحن قفار وجدوب ، لكننا إذ بالحب نشبع الجياع يشبعنا الله من عندياته بالرغم من العجز التام لإمكانياتنا .

و - بناء الآخرين : " ومنك تبنى الخرب القديمة . تقيم أساسات دور فدور فيسمونك مرمم الثغرة مرجع السالك للسكنى " إش 58 : 12 .

حينما تمتد أيدينا إلى العمل بالله فى الأمور الصغيرة كالعطاء المادى أو تعزية الحزانى الخ .... يهبنا ما هو أعظم أن نكون علة بناء حياة الغير الداخلية كمسكن مقدس للرب . 

( 5 ) حفظ السبت

بعدما قدم صورة حية عن الصوم المقبول كشف لنا عن حفظ السبت بالمفهوم الروحى بكونه راحة روحية فى الرب ، مطالبا إيانا بالآتى:

أ - " ان رددت عن السبت رجلك عن عمل مسرتك يوم قدسى ودعوت السبت لذة ومقدس الرب مكرما وأكرمته عن عمل طرقك وعن إيجاد مسرتك والتكلم بكلامك "  إش 58 : 13 . إن كان السبت هو يوم الرب المقدس لذا يليق فيه الكف عن إشباع المسرات أو الملذات الجسدية لنمارس الحياة القدسية . 

ب - التمتع باللذة والسرور فى الرب يكرم صاحب السبت ويمجده : " فإنك حينئذ تتلذذ بالرب وأركبك على مرتفعات الأرض وأطعمك ميراث يعقوب أبيك لأن فم الرب تكلم " 

وكأن السبت ليس حرمانا بل شبع داخلى وفرح
 



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +