Skip to Content

المجامع كعيادات لطبّ النفس - 3 - الأب يوحنا رومانيدس








المجامع كعيادات لطبّ النفس

 الأب يوحنا رومانيدس
نقلها إلى العربية الأب أفرام كرياكوس

  هـ - اللاهوت والعقيدة

 كل من وصل إلى حالة المجد يشهد "بأنه يستحيل التعبير عن الله وأكثر من ذلك يستحيل إدراكه. لأنهم يعرفون من خبرتهم أنه لا شَبَه بين ما هو مخلوق وبين ما هو غير مخلوق".

الله لا "يتحرّك" "يحرّك" "ويتحرّك"،"وهو لا أحد، لا وحدة، لا ألوهة... لا بنوّة، لا أبوّة الخ..." هذا في حالة المجد. في هذه الحالة تُلغى دلائل الكتاب المقدّس والعقائد فهم ليسوا هدفاً بحدّ ذاتهم ولا علاقة لهم بالميتافيزيق (ما يفوق الطبيعة).

هذا يعني أنّ الكلمات والأفكار التي لا تتناقض مع خبرة المجد والتي تقود إلى التطّهر واستنارة القلب والتمجّد هي أرثوذكسية. الكلمات والأفكار التي تتناقض مع التمجّد ولا تقود إلى الشفاء والكمال في المسيح هي هرطوقية. هذا هو مفتاح قرارات المجامع المسكونية الرومية السبعة كما هي قرارات المجمع الثامن 879 وخاصة التاسع 1341.     

أغلب المؤرخين لا يرون ذلك كله لأنهم لا يعتقدون أنّ الآباء كانوا مثل أوغسطين، يبحثون عن الأفكار والتأمّلات من أجل فهم سرّ الله وما وراء الكلمات والأفكار حوله. يُدخلون حتى بعض الآباء مثل القدّيس غريغوريوس اللاهوتي ضمن اللاهوت اللاتيني بالتعبير عنه، بأن الله مفهوم فقط عند "أساتذة الفكر والتأمل" وليس عند "المتألّهين"، الذين في حالة "رؤية المسيح" في مرآة في لغز" "بأنواع الألسنة" و"وجهاً لوجه" في "المجد".     

لم يفهم الآباء الأرثوذكسيون العقيدة كمحاولة ميتافيزيقية (تفوق الطبيعة) لفهم سرّ الله والتجسّد عقلياً. القديس غرغوريوس اللاهوتي يهزأ بمثل هؤلاء الهراطقة "قلْ ما هي ولادة الآب فأفسّر لك ولادة الابن وانبثاق الروح فنصبح مجانين في التوغل في سرّ الله". ولم يشارك الآباء أبداً في فكرة أوغسطين بأنّ مع عبور الزمن يزداد فهم الكنيسة للإيمان. كلّ اشتراك في المجد هو اشتراك في حقيقة العنصرة كلّها، لا يُضاف عليها شيء ولا تُفهم أكثر.     

هذا يعني أن العقيدة الأرثوذكسية هي عقيدةٌ رعائية لأنها لا توجد ولا معنى لها خارج إطار شفاء الأفراد والأمراض الإجتماعية في سبيل الكمال. اللاهوتي هو أولاً اختصاصي في مكائد الشرير. الاستنارة وخاصة التمجّد يحتويان على موهبة التمييز بين الأروح من أجل طرد الشرير...

و- الأسرار

 إن نتيجة تحوّل التربية الأرثوذكسية اللاهوتية إلى تربية لاتينية فكرية في القرنين 18و19 ألغى إطار وجود الكنيسة من أجل التطّهر والاستنارة والتمجّد من الكتب العقائدية وخاصة من النصوص حول الأسرار. هذه الكتب لم تعِ الواقع الآبائي الكتابي بأن الموهبة الكهنوتية تفترض النبوّة.

"لا تهمل الموهبة التي فيك المعطاة لك بالنبوّة مع وضع أيدي الشيخة" (1تيمو4: 14).

ز- الأنبياء والمفكّرون العقلانيون

 ترتبط الخليقة بالله، مع العلم أنه لا شبه أبداً بينهما. هذا يعني أن لا فرق بين المتعلّمين وغير المتعلّمين عندما يمرّ الاثنان عبر الشفاء عن طريق الاستنارة ليصبحوا أنبياءَ بالتمجّد. إن التفوّق بالمعرفة في المخلوقات لا يُعطي أيَّ إدّعاء أو أية معرفة للأمور غير المخلوقة. ولا الجهل حول المخلوقات هو عائق في سبيل المعرفة الفائقة للحقيقة غير المخلوقة.

 ح- الآباء والباباوات اللاتين

 من البطريركيات الروميّة الخمسة احتلّ الفرنك بطريركية روما واستبدلوا الباباوات الرومانيين بباباوات تيوتونيكيين (قبائل جرمانية) بالقوّة العسكرية خلال صراع بدأ في سنة 983 وانتهى في سنة 1046. هكذا امتدت رقابتهم على التسلسل الرسولي عن طريق الباباوات كجزء من مخططاتهم للسيطرة على العالم. لقد حوّلوا الآباء الروميين إلى يونانيين ولاتين وربطوا أنفسهم بالآخرين، هكذا اخترعوا وجود مسيحيّين. بالنسبة للإسلام، البابا هو فرنجي ولاتيني وبطريركياتنا روما الجديدة، الإسكندرية، انطاكية، أورشليم هي بعد روميّة. التيوتونيون كانو يجهلون مَن هم الممجّدون وماهية حالة التمجّد وسبب أن يأتي الممجّدون بعد الرسل وخلفائهم. هذا الجهل أدّى إلى فراغ ملأه مبدأ عصمة البابا اللاتيني.

 ط- الأنبياء والآباء

 يفيد القدّيس غرغوريوس النيصصي قرّاءه بأن الهرطقات تظهر في الكنائس التي لا يوجد فيها أنبياء. يعود السبب إلى أن رؤساء هذه الكنائس يحاولون الاتصال بالله عن طريق التأمل بدل الاستنارة والتمجّد. إن حصول الخلطُ في العلاقة يوصل الإنسان إلى الوثنية..   

يقصد بولس الرسول في كلامه التالي الرسل والأنبياء: "الإنسان الروحي يحكم في كل شيء ولا يُحكم فيه من أحد" (1كور2:15). والسبب في ذلك أنه عن طريق تمجيده في مجد الله غير المخلوق في المسيح يصبح شاهداً بأن "رؤساء هذا الدهر" قد "صلبوا ربّ المجد" (1كور2:15). هو رب المجد نفسه (ملاك المجمع الكبير الذي يدعو نفسه). "الكائن، أبا ابراهيم واسحق ويعقوب" الكلي القدرة، حكمة الله، الصخرة التي رافقت (1كور10: 1-4) والذي رآه أنبياء العهد القديم. السابق يوحنا المعمدان كان أوّل نبي رأى ربّ المجد في البشرة. طبعاً، اليهود "لو عرفوا لما صلبوا ربّ المجد" (1كور8:2).     

يكيّف بولس قوله "ما لم تره عين ولم تسمع به أذنٌ ولم يخطر على بال إنسان ما أعدّه الله للذين يحبونه"، على صلب ربّ المجد في العهد القديم الذي "أعلنه الله لنا نحن بروحه" (1كور9:2-10). الممجَّدون هم السلطة الوحيدة في الكنيسة الأرثوذكسية. هم الذين يعطون التعابير العقائدية التي تستخدم كوسائل إرشادية من أجل شفاء الشخصية البشرية ومن أجل الاحتياط من الأطباء الكذبة المضِلّين الذين يعِدون بالكثير ولا يقدّمون شيئاً من اختبار مجد المسيح الذي سوف يراه كلّ واحد.

ي- ربّ المجد والمجامع المسكونية

 بذِكر الكتب، يقصد المسيح والرسل العهدَ القديم الذي أضيف اليه العهد الجديد. دوّنت الأناجيل الازائية مرقس، متى ولوقاً إرشاداً قبل المعمودية خلال مراحل التطّهر والإستنارة للإنسان الداخلي في القلب. المسيح نفسه هو ربّ المجد الذي كشف عن نفسه لأنبيائه في العهد القديم. هذا ما اتّضح علناً في معموديته وفي التجلّي حيث أظهر مجدَ أبيه وملكه، الذي هو مجده وملكه بالطبيعة.

 دُوّن إنجيل يوحنا لهدف استمرار تقدّم الواحد في حالة الإستنارة (يوحنا 3:13-16) ليصل إلى حالة المجد (يوحنا 17) حيث يرى الواحد مجد ربّ المجد (الإبن) في أبيه ومجدَ الآب في ابنه (يوحنا 31:13 و18-21). "فلما خرج قال يسوع الآن تمجّد ابن الإنسان وتمجّد الله فيه" (يوحنا 31:13) من أجل هذا السبب دُعي إنجيل يوحنا الإنجيل الروحاني.

 أولئك الذين تدرّبوا في جسد الكنيسة لم يتعرّفوا على التجسّد، على المعمودية، التجلّي، الصلب، الموت، الدفن، القيامة، الصعود وعلى عودة ربّ المجد في العنصرة في روحه القدوس وألسنته النارية غير المخلوقة ليصير رأس الجسد أي رأس الكنيسة. لم يتعرّفوا على كل ذلك بمجرّد دراسة نصوص العهد القديم والجديد. درسوا الكتابَ كجزء من عملية تطهير القلب، إستنارته وتهيئته لإقتبال المجد في ربّ المجد نفسه الذي مجّد أنبياء العهد القديم ولكن الآن في طبيعته الإنسانية المولودة من العذراء مريم.      

ضمن هذا الإطار وحّدت الكنيسة القديمة المسيحَ مع الرب، مع الملاك، مع الحكمة التي بواسطتها خلق الله العالم ومجّد أصدقاءه الأنبياء، والتي بواسطتها (أو بواسطتهم) أنقذ إسرائيل من الأسر وأرشده إلى الوقت حين أصبح هو بنفسه بشرةً لكي يضع حدّاً للموت الذي طغى على كنيسته في العهد الجديد: "أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي. وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" (متى 18:16). لقد مات أنبياء العهدُ القديم بالرغم من تمجيدهم. ولكن الآن "إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يذوق الموت إلى الأبد" (يوحنا 52:8).      

هذا لأنه يوجد قيامة أولى في الإنسان الداخلي "مباركٌ ومقدسٌ من له نصيب في القيامة الأولى" (رؤيا 6:20). وهناك قيامة ثانية للجسد (الآية نفسها) "هؤلاء ليس للموت الثاني بسلطان عليهم". وهناك الموت الأول للإنسان الداخلي "وأما المتنّعمة فقد ماتت وهي حيّة" (1تيمو 6:5). وهناك موت الجسد الثاني "وطُرح الموتُ والهاوية في بحيرة النار هذا هو الموت الثاني" (رؤيا14:20).      

حتى الهراطقة كالآريوسيين والأفنوميين المحكوم عليهم في المجمعين المسكونين الأول والثاني كانوا يعترفون بأنّ المسيح هو نفسه ربّ المجد الآتي في العهد القديم. لكنهم كانوا يدّعون أنّ ملاك الرب هذا كان الخليقة الأولى لإرادة الله من العدم قبل الزمن، وليس مساوياً للآب في الأزلية. وقد استخدموا ظهورَ ملاك الرب للأنبياء كبرهان لطبيعته المخلوقة بطريقة مشابهة لأولئك الذين كانوا يوحّدون بين ملاك العهد القديم هذا مع الإله الأدنى الذي خلق العالم الشرير وأضلَّ إسرائيل.      

إن الأريوسيين والأفنوميين لم ينكروا ولم يجهلوا أنه عن طريق المجد يصبح الواحد إلهاً بالنعمة (التأله théosis) وإنّ هذا الإنسان يرى مجد الله وملكه في المسيح عن طريق الله نفسه. هكذا، فإن الله يكشف عن نفسه لأصدقائه الممجّدين وليس عن طريق مخلوق باستثناء طبيعة ابنه المخلوق مع العلم أنّ نعمة الاستنارة ومُلكها والمجد الذين ينقلهما المسيح لجسده الكنيسة غير مخلوقين.

   أوغسطين لم يعرف خبرة التأله الآبائية بل عرف الخبرة الأفلاطونية الحديثة. إن العقيدة اللاتينية الفرنكية القائلة بأن النعمة مخلوقة غير موجودة في تقليد المجامع المسكونية

 



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +