Skip to Content

البشريّة المريضة بيت الداء و حقيقة الدواء (4) - الأرشمندريت توما بيطار

 

 البشريّة المريضة

بيت الداء وحقيقة الدواء(4)

 

قليلاً ما يُقيم الدارسون تمييزاً واضحاً بين الفردانية (Individualism) والشخصانية (personalism). هذا التمييز أساسي في خلفية ما حصل للإنسان بعد السقوط، وهو ما لا زالت البشريّة تعانيه وستبقى إلى قيام الساعة.

الإنسان، قبل السقوط، كان شخصانياً، على مثال الثالوث القدّوس، أي كان كيانه متّجهاً صوب الله في حركة طاعة، في فعل محبّة.      

خروجُه من نفسه، علاقتُه بالله، انسجامُه معه، شفافيتُه له، هي ما جعلت اللهَ محورَ اهتمامِه وجعلت الإلهياتِ فَلكَه. وهذا، بالذات، هو ما جعله ينعم بحياة الله وينمو في نعمة الله.

فلما سقط الإنسان صار فردانياً، على مثال الشيطان، أي متّجهاً إلى نفسه في حركة إرادته الخاصة، في فعل محبّةٍ ذاتية. ارتدادُه إلى نفسه، علاقته بالشيطان، انسجامه معه، شفافيته له، هي ما جعله محورَ ذاته وجعل حبَّه لذاته فلكَه.

وهذا بالذات هو ما جعله مقيماً في الموت، مستأسَراً للخطيئة التي هي "شوكة الموت" (1 كو 15: 56).      

ما حصل، إذاً، كان أن وقعت البشريّة في الفردانية، سواءٌ على صعيد الفرد أو الجماعة. وبذا لم تعد تعرف المحبّةَ الأصيلة إلاّ قلّةٌ عزيزة. لماذا؟ لأنّ المحبّة لا تطلب ما لنفسها (1 كو 13: 5) فيما كلٌ، في البشريّة الساقطة، يطلب ما لنفسه.

على هذا قال الرسول المصطفى بولس عن الناس أجمعين إنّهم باتوا "تحت الخطيئة" (رو 3: 9) ووصف الحال التي آلوا إليها بإيراد بعض ما جاء في المزمورَين 13 و 52: "ليس بارٌ ولا واحد. ليس مَن يفهم. ليس مَن يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معاً. ليس مَن يعمل صلاحاً ليس ولا واحد. حنجرتهم قبرٌ مفتوح. بألسنتهم قد مكروا. سَمُّ الأصلال [الحيّات] تحت شفاههم. وفمهم مملوء لعنة ومرارة. أرجلهم سريعة إلى سفك الدم. في طرقهم اغتصابٌ وسُحْقٌ. وطريق السلام لم يعرفوه".      

في هذا الإطار صارت العلاقاتُ تحكمها الأنانيّات، وصارت الجماعةُ عبارة عن أنانيّة جماعية، وكذا العلاقة بين جماعة وجماعة. يلتقون إذا التقت مصالحهم ويفترقون إذا افترقت.

خير تعبير عن علاقة الفرد بالفرد ضمن الجماعة الواحدة وعلاقة الجماعة بالجماعة هو القول المأثور: "أنا على ابن عمّي، وأنا وابن عمّي على الغريب".      

الكل، في هذا المناخ، واجدٌ نفسَه، في نهاية المطاف، وحيداً غريباً. والكل يسعى إلى الخروج من عزلته الكيانية وغربته بالدخول في علاقات ذات منفعة مشتركة. ولكنْ لا تلبث هذه العلاقات أن تنفرط بافتراق المنافع فيعود الإنسان، إذ ذاك، إلى غربته من جديد.

ومرّة أخرى يبحث عن علاقات له والآخرين على أساس القواسم المشتركة. وهذه تدوم إلى حين ثم ينفرط عقدها من جديد.      

هكذا تَلقى الإنسان في خيبة وإحباط، في كرّ وفرّ بإزاء وحشته إلى أن يأتيه الموت، أخيراً، بالعزلة الكبرى التي طالما عاناها بعضاً وسعى لأن يهرب منها، ولكنْ على غير طائل.      

في الفردانية تتشوَّه الفضائل لأنّها تَلقى ترجمة فردانية لها. الإيمان بالله يتحوّل إلى دعمٍ لأنانيّات الناس وتبريرٍ. الكل في التاريخ، مسيحيّون وغير مسيحيّين، عانَوا ويعانون تجربة قاسية راسخة في وجدانهم حين يسرقون ويَكرهون ويدمِّرون ويقتلون باسم الله.

وإذا كان الناس مائلين إلى التقاتل باسم الله، تبريراً لأنانيّاتهم، فهم مائلون، بالقدْر عينه، توسيعاً لدائرة أنانيّاتهم الجماعية، إلى التلفيق (الخلط) بين الديانات، توحيداً للأمم والشعوب.      

خير مثال على ذلك، اليوم، السعي إلى توحيد شعوب الأرض من خلال التقريب ما بين الديانات وصولاً إلى صيغة دينية ذات عناوين عامة تناسب كلَّ الديانات وتعترف بكل الديانات إذ تجعلها كلَّها وجوهاً لحقيقة واحدة وتجعل اجتماعَها ذا منحى تكاملي.      

على هذا يكون المنحيان التنافري التقاتلي من جهة، والتلفيقي التكاملي من جهة أخرى، في موضوع الإلهيات، وجهَين لعملة واحدة هي عبادة الإنسان لنفسه، فردياً وجماعياً.

في نهاية المطاف، في كلا الحالَين، الموضوع هو موضوع تغريب الإنسان عن الله، بتسخير كلام الله لمرامٍ فردانيّة، حين تستحيل الإلهيات شكليات ويُصرّ الإنسان على نبذ الخلاص / الشفاء الذي يمدّه له الربّ الإله بالمخلّص.

لا فرق، في هذا السياق، بين المؤمن شكلاً والملحد واللاإدري، أي الذي لا يبالي بالله، لا بوجوده ولا بعدم وجوده. هؤلاء كلُّهم لهم إله واحد يجمعهم، وهذا يتمثّل في حبّهم لذواتهم وعبادتهم لأنفسهم.      

وما يقال عما آل إليه الإيمانُ بالله بين الناس يُقال عن كل فضيلة أخرى. المحبّة تتحوّل إلى مصالح مشتركة والسلام إلى حرب باردة واللطف إلى تهذيب واللاهوت، أي معرفة الله، إلى إيديولوجيات، أي إلى أفكار عن الله.      

الحرية بدل أن تكون حرّية من الخطيئة للسلوك في المحبّة تصبح تكريساً وحماية لحقّ الإنسان في أن يتعاطى أنانيّاته، على هواه، حتى الموت. العدالة بدل أن تكون حقَّ الآخرين عليك أن تتبنّاهم في المحبّة تصبح اقتصاصاً ممَن تقتحم أنانيّاتُهم، بالإكراه، أنانيّاتِ الآخرين.

العلم بدل أن يكون معيناً على التنقية من الخطايا وأداة للمحبّة يتحوّل إلى أداة للقنية والاستغلال والاستعباد. المعرفة بدل أن تكون تعميقاً للعلاقة بالله والآخرين تكون سبيلاً لجمع المعلومات واقتناء الخبرات وتوظيف الاجتهادات لمكاسب خاصة.

السياسة، أساساً، هي تدبير شؤون الناس، أي خدمة محبّة. في إطار الفردانية تستحيل السياسة، من خلال الوسائل والأساليب المتاحة، بما فيها الكذب والخباثة والتضليل والعنف، مجالاً أمثلَ لتمجيد الذات وتسيير الناس وتوجيه مصائرهِم بما يؤمّن المصالح الأناينّة للأكثرية أو للأقليّة في الأمّة.

الحقّ، أساساً، هو أن تحبّ الله وأن تسلك في أحكامه. في مناخ الفردانية، الحقّ هو تحقيق مقاصد الفرد والأمّة في العزّة والكرامة والعيش الكريم، وهذه قيم فردانيّة.

التحرير، أساساً، هو مساعدة الأخرين على التحرّر من خوف الموت وربقة الشيطان وتسلّط الخطيئة لاستعادة النعمة الإلهية واقتناء الحياة الأبدية.

التحرير، في العالم، هو صراع أنانيّات جماعية مستعبَدة ضدّ أنانيّات جماعية متسلِّطة عليها، وانتزاعُها الحقّ في أن تكون أنانيّاتٍ جماعيةً مستقلة.      

لكل ذلك يبذلون، في العالم، كلَّ غالٍ ورخيص ولهم شهداؤهم ويسخِّرون كل قواهم ليحقِّقوا، في نهاية المطاف، ما يتصوَّرونه إرثاً مخلَّداً لهم ولأبنائهم، جيلاً بعد جيل.    

لهؤلاء جميعاً تمتدّ كلمة المرنّم في المزامير: "... يرى الحكماءَ يموتون والجهلاءَ والأغبياءَ يهلكون جميعاً، ويتركون غناهم للغرباء وتصير قبورُهم مساكنَ لهم إلى الأبد ومنازلَ إلى جيل فجيل. أطلَقوا أسماءهم على أراضيهم! لمّا كان الإنسان في كرامة ولم يعتبر قيس بالبهائم التي لا عقْل لها وشُبِّهَ بها! طريقهم هذه ضلالةٌ لهم. ومع ذلك يُحبِّذ مَن يخلفُهم أقوالَهم" (مز 48: 10 ? 13).      

لقد جعل أهلُ بابل لأنفسهم برجاً / جبلاً يناطحون به السماء استكباراً. هذا تعبوا فيه عبثاً لأنّ الحيّ إلى الأبد بدَّدهم من هناك على وجه كل الأرض (تك 11: 8).

لذلك القول للناس في كل جيل أن "كفاكم قعود في هذا الجبل. تحوّلوا وارتحلوا" (تث 1: 6).      

"إلى مَن نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك" (يو 6: 68). نَفَس أنوفنا مسيح الربّ!



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +