Skip to Content

البشريّة المريضة بيت الداء و حقيقة الدواء (2) - الأرشمندريت توما بيطار




 البشريّة المريضة

بيت الداء وحقيقة الدواء(2)

Click to view full size image

        خلق الله الإنسان، في البدء، حسناً جداً (تك 1: 31). لم يكن ناقصاً في شيء. طبعاً لم يكن خالداً لأنّ الخلود ليس من مزايا الطبيعة البشريّة بل هو هبة الله.

وهذه تُعطى له متى نما في طاعة الله ومحبّته. جنّة عدن، التي هي صورة عِشرَة الإنسان لله، كان مفترضاً بآدم أن "يعملها ويحفظها" (تك 2: 15). إذاً لم تكن ناجزة لديه.      

روحياً، كان الإنسان طفلاً. كان عليه أن يصير "فلاّحاً للعبادة الحسنة" (قنداق عيد القدّيس جاورجيوس اللابس الظفر) حتى يحظى بنعمة الحياة الأبدية. حالُ آدم وحوّاء، قبل السقوط، كان كحال الحديد والنار.

الحديد، في ذاته، قابل للفساد والانحلال، ولكنْ إذا لزم النار انحفظ. هكذا كان آدم وحوّاء. طالما بقيا في كنف الله ? وهذا رهن لا بمشيئة الله وحده بل بإرادتهما أيضاً ? كانا محفوظَين بالنعمة، ولكنْ لمّا نجح الشيطان المتلبِّس بالحيّة في خداعهما سقط آدم وحوّاء من روح الله.

أُخرِجا من جنّة عدن (تك 3: 23). طُردا منها طرداً ولم يعدْ لهما إمكان عودة إليها بنفسيهما (تك 3: 24).      

كان السقوطُ سقوطاً من حال إلى حال: من الطاعة إلى الخطيئة، من عِشْرة الله إلى استعباد الشيطان، من عدم الفساد إلى الفساد. الخطيئة هي التعدّي (1 يو 3: 4) والإثمُ الذي هو معارضةُ الله ومقاومتُه بعناد. "إنسان الخطيّة ابن الهلاك"، في الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي، هو "المقاوِم والمرتفِع على كل ما يُدعى إلهاً أو معبوداً حتى إنّه يجلس في هيكل الله (كإله) مظهراً نفسه أنّه إله" (3: 4).      

الخطيئة هي الحيدان عن الحقّ. في اليونانية، من معاني الخطيئة (أمارتيا) الإخفاق في إصابة الهدف. فَشِلَ آدم وحوّاء في تحقيق قصد الله لهما فسقطا وصارا في الخطيئة.

تعبير "في الخطيئة"، كما في رو 6: 1، يشير إلى الحال الجديدة التي آل إليها الإنسان إثر السقوط، إلى الواقع الناجم عن المعصية. من الحال الكيانية الاختلالية هذه للخطيئة، انبثّ، في الإنسان، ما يُعرَف بـ "الأهواء" التي هي منابت الخطايا، أو جذورها.

الأهواء، في ذاتها، ليست خطايا بل هي ينبوع الخطيئة مغروساً في طبيعتنا. الأهواء هي الأصنام الداخلية وما عبّرت عنه كل الأصنام في تاريخ البشريّة منذ السقوط.     

كل الأصنام الحجرية والفكرية والعاطفية ذات الصلة بالمال وشهوة البطن والزنى والمجد الباطل وأمثالها، في أي من مجالات الحياة الفردية والجماعية، كل هذه الأصنام مصدرها واحد: الأهواء! بالأهواء صار الإنسان مائلاً إلى مراكز اهتمام أخرى غير الله.

هذه حلّت، في الإنسان، أسياداً محلّ سيّد السماوات والأرض، وصار الإنسان، بصورة تلقائية، متّجهاً، كيانياً، إلى تلبيتها، عبادياً، كما لو كان له فيها ملء الوجود، كإنسان ناهد إلى الألوهة.      

ولكنْ كلُّ سعي الإنسان، مهما فعل، في هذا الإتجاه، كان باطلاً لأنّه اتجاه خاطئ، لأنّ الإنسان بات مقيماً في الخطيئة، في الكذب، في الضلال، في الضياع، في الوهم.      

على هذا استبانت خدعة الشيطان لآدم وحوّاء، بدءاً، مستمرة في الأهواء/ الأصنام التي انزرعت في الطبيعة البشريّة بعدما سقط الجدّان الأوّلان في المعصية. الخديعة قائمة في أهواء الناس. الخطيئة، دائماً، وعد يؤول إلى خيبة، غيم بلا ماء.

فلا عَجب إن قال آباؤنا إنّ وراء كل خطيئة روحٌ غريب حتى لَيُماهونها وهذا الروح الغريب عينه.      

الغريب، في الحقيقة، كان إيّاه الشيطان وأبالستُه ذوو الاختصاص في شتّى الأهواء والخطايا. بهم دخلت الخطيئة إلى العالم. طبعاً لا بالشيطان وحده بل بقبول الإنسان أيضاً لإيحاء الشيطان، لمنطق الروح الغريب، وتعاون الإنسان معه.

"شعبي عمل شرَّين. تركوني أنا ينبوعَ المياه الحيّة لينقروا لأنفسهم آباراً آباراً مشقَّقة لا تضبط ماء" (إر 2: 13)!      

نجح الشيطان، بالحيلة، في إقناع آدم وحوّاء بأنّ الله كاذب. قال الله لآدم: "يوم تأكل من... [شجرة معرفة الخير والشرّ] موتاً تموت" (تك 2: 17)، وقالت الحيّة للمرأة: "لن تموتا" (تك 3: 4).

نجح الشيطان، بالحيلة، في إقناع آدم وحوّاء بأنّ الله يمنعهما من الشجرة عن قصد غير قويم، لأنّه يريد لهما أن يبقيا جاهِلَين قاصرَين، وفي ذلك ظلم وتَعَدٍّ على حرّية الإنسان وحرمانٌ لهما من امتياز عظيم هو من حقّهما وهو في متناول أيديهما.

بتعبير الحيّة: "الله عالم أنّه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارِفَين الخير والشرّ" (تك 3: 5).      

هكذا بثّ الشيطان الشكّ في صِدقية الله من جهة الإنسان. ولأنّ الإنسان كان قاصراً في معرفته العميقة لحقيقة الأمور، تمكّن الشيطان من ضرب إيمان آدم وحوّاء في الصميم. جعل إسفيناً ما بين الإنسان وربّه.

نجح الشيطانُ في تحويل انتباههما من وصيّة الله إلى شهوة نفسيهما، "فرأت المرأة أنّ الشجرة جيِّدة للأكل وأنّها بهجة للعيون وأنّ الشجرة شهيّة للنظر، فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجُلها أيضاً معها فأكل" (تك 3: 6).

تبنّى الإنسان منطق الشيطان، المنطق الذي جعله شيطاناً بعدما كان ملاكاً مقرَّباً جداً من العليّ.      

فإنّ الإنسان، إذ تحوَّل عن الله، أَكَلَ طُعْمَ الشيطان له، تبنّى خبرته، وقع في فخّه. سلك الإنسان في شهوة نفسه. اعتزل عن الله. صار يقيس الأمور على رغبته الخاصة.

التزم إرادته الذاتية معياراً لكل شيء. بكلام آخر تشيطن الإنسان في الخُلُق لمّا وقع في حبّ الذات، من حيث إنّ الشيطان معلّم عشق الذات بامتياز. صار حبّ الذات لدى الإنسان هو، عينه، الألوهة محقَّقة، صنمَ الأصنام، إلهَ الآلهة، مصدرَ ومآلَ كلِّ عبادة. انكفأ الإنسان على نفسه بعدما كان ممتدّاً صوب ربّه.      

لم يعدْ بحاجة إلى ما هو أو مَن هو خارج نفسه ليتألّه. صار إلهاً في ذاته، في عين نفسه. هكذا تمثَّل السقوطُ من حالٍ كان الإنسان فيها ينمو في محبّة الله من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القدرة إلى حال فيها ينمو، في عشق الذات، من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القدرة.

هكذا كان سقوط الإنسان من حال الكمال الإلهي، المتنامي إلى حياة أبدية، إلى حال الكمال الشيطاني المزعوم، المتنامي إلى هلاك أبدي.      

مَلَك الشيطان على الإنسان. بدا له صديقاً. أقنعه بأن يعبد نفسه من دون الله وأقام هو في التواري! لم يكن تسلّطُه عليه خارجياً. زرع كلمته في قلبه.

أراد أن يملك عليه من الداخل، بإرادة الإنسان عينه، إذ طعّم إرادته بمفسدته. والإنسان، في غباء خطيئته، من حيث إنّ الخطيئة تجعل الإنسان غبيّاً (!)، أسلم قيادَه للشيطان وفي ظنّه أنّه، بذلك، يحقِّق ذاته حرّاً من كل تأثير خارجي عليه، من الله ومن الشيطان سواء بسواء.      

هكذا دلف الإنسان من عدم الفساد إلى الفساد، من حرّية النعمة الإلهية إلى عبودية الخطيئة، من الحياة إلى الموت. استعبد الشيطان الإنسان بالإقناع فأدخله الدائرة المفرَغة للموت والخوف والخطيئة.

هذه لم يعدْ له فكاك منها، وتالياً من ربقة الشيطان عليه. هكذا اعتلَّت الطبيعة البشريّة.

بكلام القدّيس كيرلّس الإسكندري: "لمّا سقط الإنسان في الخطيئة وزلق في الفساد، هاجمت الملذّاتُ والنجاسةُ طبيعةَ الجسد، وانقشع، في أعضائنا، ناموس وحشي. أضحت، إذ ذاك، طبيعتنا موبوءة بالخطيئة عبر معصية الواحد، الذي هو آدم. به أضحى الجميع خطأة لا لكونهم شاركوا في التعدّي مع آدم، وهو ما لم يفعلوه البتّة، بل لكونهم من طبيعته، خاضعين لناموس الخطيئة... الطبيعة البشريّة، في آدم، اعتلّت وخضعت للفساد، بالمعصية، وبذا وطئتها الأهواء".

 






عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +