Skip to Content

الصلاة - ابرشية انطلياس المارونية

 

 


"
الصّلاة"
 
Click to view full size image



من المؤكد أن موضوع الصّلاة واسع وكتب فيه الكثير. ومن يقبل بمهمّة الوعظ، ينطلق من هيكليّة الموضوعات وعناوينها؛ إنما يحرص على أن يضفي عليها طابعه الشخصيّ وخبرته الروحيّة مضيفاً اليها ما اكتسبه من مطالعاته حول الموضوع العام. فلا يكتفي بقراءة ما ورد في العظات المعدّة، انما يغنيها بمجهوده الثقافيّ الروحيّ الشخصيّ.

وليكن أسبوع الرياضة مناسبة لصلاة الرعيّة بكلّ أفرادها وفئاتها، وليس فقط وعظاً عن الصّلاة.

الموضوع الأوّل
يسوع يُصلّي ويُعلِّم الصلاة

١. يسوع يصلّي


أ. يسوع تعلّم الصلاة من مريم، التي كانت ''تحفظ كلّ الأشياء وتتأمّلها في قلبها'' (لوقا ١٩،٢ و٥٢؛ راجع ت م ك ك ٢٥٩٩)



ب. يسوع صلّى صلاة شعبه في المجمع والهيكل (راجع متى ٢٣،٤؛ مرقس ٣٩،١؛ لوقا ٤١،٢؛ لوقا ١٤،٤-١٥) وصلّى المزامير (متى ٣٠،٢٦؛ مرقس ٣٤،١٥) وشرح الكتب القدّسة (لوقا ٢١،٤؛ لوقا ٢٧،٢٤و٤٤)



ج. لصلاة يسوع طابع خاصّ: علاقة مع الآب السماويّ (راجع متى ٩،٦؛ متى ٢٥،١١؛ لوقا ،٤٩،٢ يوحنا ١،١٧) والرّوح القدس (لوقا ١،٤ و١٨؛ لوقا٢١،١٠؛ يوحنا ١٤،١٦)، وهو يصلّي غالباً في العزلة (لوقا ١٨،٩)، وعلى الجبل (مرقس ٤٦،٦؛ يوحنا ١٥،٦)، وقبل الفجر (مرقس ٣٥،١)، وفي الليل (لوقا ١٢،٦).



د. يسوع يحضّر لأعماله بالصّلاة، فيقوم بها عندما اعتمد في نهر الأردن (لوقا ٢١،٣) وقبل اختياره للتلاميذ (لوقا ١٢،٦)، وقبل أن يعلّمهم الصلاة (لوقا ١،١١)، وقبل التجلّي (لوقا ٢٩،٩)، وقبل إحياء ألعازر (يوحنا ٤١،١١-٤٢)، وقبل آلامه (مرقس ٣٥،١٤)



هـ.. يسوع يحمل البشر في صلواته ويقدّمهم للآب: فيُصلّي لبطرس (لوقا ٣٢،٢٢) ولتلاميذه وللذين سيؤمنون على يدهم (يوحنا ٩،١٧و٢٠) (راجع ت م ك ك ٢٦٠٢ + صلاة يسوع الكهنوتيّة: يوحنا ١٧+ فداء المسيح: عبرانيّين ١٢،٢-١٨).




٢. يسوع يُعلِّم الصلاة


أ. يسوع قدوة في الصلاة:
تَأَمَّلَ التلاميذ بمعلّمهم كيف يُصلّي، فتعلّموا الصلاة (ت م ك ك ٢٦٠١ و٢٦٠٧؛ راجع لوقا ١،١١)


ب. الصلاة الربيّة
(متى ٩،٦-١٣ ولوقا ٢،١١-٤) تُعتبر قلب تعليم يسوع عن الصلاة: فالذي يُصلّي يبتهل إلى الله بصفته أب، فيُقدِّم الاهتمام بقصد الله على أيّ اهتمام آخر، فيهتمّ باسمه، وبملكوته، وبتحقيق إرادته، ويطلب أيضاً من هذا الأب الخبز، والمغفرة بعد إتمام المصالحة مع أبناء الآب الواحد، وأخيراً يطلب عدم الانزلاق في تجارب الشرير.


ج. توجيهات يسوع في الصلاة:
الثقة في الصلاة (مرقس ٢٤،١١؛ لوقا ٩،١١-١٣)؛ المداومة على الصلاة (لوقا ٥،١١-٨؛ لوقا ٧،١٨)؛ الاتحاد مع الإخوة (متى ١٩،١٨)؛ الابتعاد عن صلاة المرائين (متى٥،٦) والصلاة الوثنيّة (متى ٧،٦)؛ الغفران في الصلاة (مرقس ٢٥،١١).


د. خطّة يسوع التربويّة في الصلاة:
الانتقال من صلاة الطلب إلى الصلاة الحقيقيّة، ومن الرغبة في عطايا الله إلى الرغبة في أن يهب الله ذاته. مثلاً: المرأة السامريّة تُقاد من رغباتها الخاصّة نحو الرغبة في عطاء الله (راجع يوحنا ١٠،٤)؛ والجموع التي أكلت الخبز وشبِعَت (يوحنا ٥،٦-١٥)؛ تُقاد نحو الغذاء الباقي للحياة الأبديّة (يوحنا ٢٧،٦).

''إسألوا تُعطوا، أطلبوا تجدوا، إقرعوا يُفتح لكم'' بمثل هذه الأقوال والمواعيد، يحثّنا ربّ الجميع على الصّلاة. فعلينا أن نمتثل لقول الله، ونعيش دوماً في التسابيح والصلوات، وأن نكون أشدّ تعلّقاً بعبادته مما بنفوسنا. فالذي لا يُصلّي ولا يشتاق إلى المناجاة الإلهيّة هو ميتٌ لا شعور فيه ولا تفكير.
وخير دليل على الحماقة تجاهل شرف الصّلاة، وقلّة الغرام بها، وأن يفوتَ الإنسان أنّ موت النفس في ابتعادها عن تقوى الله. فكما أنّ جسمنا عند رحيل النفس عنهُ يُمسي ميتاً منتناً، كذلك قلبنا إن لم تحيهِ الصلاة كان ميتاً وشقياً منتناً.''


(القديس يوحنا الذهبي الفم، عظة في الصلاة)



الموضوع الثاني
نموذج الصّلاة المسيحيّة الأبانا



مقدمة أودعَ يسوع تلاميذه، جواباً على طلبهم (''يا ربّ، علّمنا أن نصلّي'') الصلاة المسيحيّة الأساسيّة: ''الأبانا''. وهي تُدعى ''الصلاة الربّية'' لأنّها تأتي من الربّ يسوع، الابن الوحيد، وتتوجّه إلى أبينا السماوي''. ''الأبانا'' هي إذاً صلاة الكنيسة في كلّ آنٍ ومكان، وهي متأصّلة أساساً في الصّلاة الليتورجيّة وفي الأسرار: المعموديّة والتثبيت حيث نصبح إخوة يسوع وأبناء الآب وهياكل الروح القدس، وفي الافخارستيّا حيث ينكشف معناها الكامل.


١. ''أبانا'' ندعو الله ''أبًا'' لأنّه كشف لنا ذاته بابنه الذي صار إنساناً، ولأنّ روحه يجعلنا نعرفه. فنحن عندما نصلّي إلى الآب ندخل في شركة معه ومع ابنه يسوع بواسطة روحه القدوس. بالمعموديّة وَلَدنا الله من جديد لحياته إذ تبنّانا بابنِه يسوع فأصبحنا له أبناء. وعطيّة التبنّي تقتضينا توبةً وحياةً جديدة وتهبنا: قلباً متواضعاً وواثقاً؛ ورغبةً في التشبُّه بالله وإرادة ذلك. وعندما نقول أبا ''نا'' نلتمس العهد الجديد في يسوع المسيح، والشركة مع الثالوث الأقدس والمحبّة الإلهيّة التي تمتدّ بالكنيسة إلى مدى العالم.



٢. ''الذي في السماوات'' لا تدلّ على مكان بل على جلالة الله وحضوره في قلب الأبرار. والسماء، بيت الآب، هى الوطن الحقيقيّ الذي نسعى إليه، والذي منذ الآن ننتمي إليه. فنحن مواطنو السماء بقوّة النعمة.



٣. الطلبات السبع الثلاث الأولى موضوعها مجد الآب: تقديس الاسم، إتيان الملكوت وتتميم المشيئة الإلهيّة. أما الأربع الأخرى فتقدّم له رغباتنا: وهذه الطلبات تتعلّق بحياتنا الجسديّة والروحيّة، لتغذيتها أو لشفائها من الخطيئة، كما تتعلّق بجهادنا في سبيل غلبة الخير على الشرّ.



٤. ''ليتقدّس اسمك'' نطلب تقديس اسم الله لندخل في تصميمه وسرّ حبّه الإلهيّ، أي تقديس اسمه بنا وفينا، كما في كلّ أمّة وفي كلّ إنسان.



٥. ''ليأتِ ملكوتك'' بهذه الطلبة تقصد الكنيسة بوجهٍ أساسيّ عودة المسيح والمجيء الأخير لملكوت الله، وتصلّي أيضاً لأجل نموّ ملكوت الله في حياتنا ''هنا والآن''.



٦. ''لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض'' نصلّي إلى أبينا أن يضمَّ إرادتنا إلى إرادة ابنه لتتميم تصميمه الخلاصي في حياة العالم. وهنا تبلغ كلمات ''الله بيدبّر'' و''متل ما ألله بيريد'' التي نردّدها يومياً أسمى معانيها.



٧. ''أعطنا خبزنا كفاف يومنا'' بقولنا ''أعطنا''، نعبّر مع إخوتنا، عن ثقتنا البنويّة بأبينا السماويّ. ''خبزنا'' يعني الغذاء الأرضيّ الضروريّ لمعيشتنا جميعاً، ويعني أيضاً خبز الحياة، أي كلمة الله وجسد المسيح. وهو يُتنَاوَل في ''يوم الربّ''، كالغذاء الذي لا يُستَغنى عنه في وليمة الملكوت التي تسبقها وتمثّلها الإفخارستيّا.



٨. ''واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن لمن خطئ إلينا'' طلب يلتمس رحمة الله لإساءاتنا؛ وهذه الرحمة لا تدخل قلوبنا ولا تلمسنا إلاّ إذا غفرنا لأعدائنا على مثال المسيح وبمعونته.



٩. ''لا تدخلنا التجربة'' قولٌ نطلب فيه إلى الله أن لا يسمح بأن نسير في الطريق الذي يؤدّي إلى الخطيئة. وهذا الطلب يلتمس روح التمييز والقوّة، ونعمة التيقّظ والأمانة للربّ.  


١٠. ''لكن نجّنا من الشرّير'' نصلّي كي يُظهر الله فينا الغلبة التي نالها المسيح على ''رئيس هذا العالم''، أي الشرّير، من خلال حياة البرّ والخير والاستقامة التي نعيشها. وكلمة ''آمين'' نعبّر بها عن دعائنا أن يتمّ الربّ هذه الطلبات السبع فيتحقـّق ملكوته في عالمنا.

مراجع

- تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة، الأعداد ٢٧٦١ - ٢٨٦٥

- شرح صلاة الأبانا بحسب القديس يعقوب السروجيّ



الموضوع الثالث
صعوبات الصّلاة

بعد أن تكلّمنا عن الصّلاة وينابيعها وطرقها، نتوقّف في هذا الموضوع على الصعوبات والتحديّات التي تعترض المؤمنين الراغبين في تعميق حياتهم الروحيّة، الواعين أن الصّلاة هي جهادٌ ضدّ النفس التي تميل بسرعة، مأخوذةً بحيل المجرّب ومغريات هذا العالم، الى الإبتعاد عن الإتحاد بالله.

نختصر هذه الصعوبات والتحديّات بخمس ونعطي لكلّ منها الطريقة المناسبة لتخطّيها:

تكمن الصعوبة الأولى في بعض مفاهيمنا الخاطئة للصّلاة.

- ليست عمليّة نفسيّة للتخفيف عن الهموم

- ليست تركيزاً داخلياً للوصول الى الفراغ الذهنيّ

- ليست كلماتٍ شاعريّة وعواطف روحيّة

- ليست هروباً من مشاكل وهموم العالم

- لا تُقاس صحّة الصّلاة بما تدرّ علينا من نتائج

الصّلاة هي موهبة من النعمة وجوابٌ ثابت من قِبلنا. بمعنى أنّ صلاتنا تأتي أيضاً من الروح القدس وليس منّا فقط.

لذلك وُجب تصحيح هذه المفاهيم.



التشتّت هي الصعوبة العادية إذ يشعر المصلّي وبشكلٍ متواتر أن أفكاراً تجتاحه في وقت تأملاته الشخصيّة أو الجماعيّة فتصرفه عن تركيزه على موضوع صلاته.

اما الحلّ للتشتّت فلا يكون بالسعيّ الى مطاردته إذ ''يكون ذلك وقوعاً في فخاخه'' (ت ك ٢٧٢٩)، بل بتحويل موضوع تشتّتنا الى موضوع صلاتنا بحيث نصلّي على نية ما نحن مشتّتون فيه. التشتّت يُظهر لنا ما يُشغل قلبنا فلنجعله مناسبةً تقربّنا أكثر من الله. ويجب أن لا ننسى أن الله يعرف ضعفنا وهمومنا ومواضيع تشتّتنا ويتحسّس لحاجاتنا فهو يقبل أن نكون مُشتّتين من أن نكون غائبين! والأفضل أن نكون بكليتنا له.

على كلّ حال، مهما كانت درجة تشتّتنا، يجب أن لا نتوقف عن الصّلاة. وبهذا المعنى يقول القديس برناردوس: ''لا تستخفّ ولا تزدري بصلاتك، لأن الله لا يستخفّ بها''.



اليبوسة قد نشعر في أحيانٍ كثيرة أنّ الله غائبٌ عنا، ولا همّة لنا للصلاة فنشعر بالسأم والملل. إنّها تجربة صعبة الاحتمال ولكن يجب أن نعرف أنّ حبّ الله ليس فقط أحاسيس إنّما الحبّ الحقيقي يتخطىّ الجانب العاطفي الشعوري. الصحراء الروحيّة ضرورية لكي نعرف حقيقة حبنا لله. إنّها زمن التجربة وبنفس الوقت هي زمن الصمود والثبات والمزيد من الثقة، وحده المتواضع لا يتعجّب من شقائه وضعفه. هي كالزواج حيث يتحوّل الحبّ السابق إلى حياةٍ واعية لحضور الآخر حتى وإن كان صامتاً. يجب أن نتعلّم الإصغاء إلى صمت الله. كذلك، علينا، وقبل التحدّث إليه، أن نّصغي إلى كلامه الذي أعطاناه بأنواعٍ شتّى وخاصةً في الكتاب المقدّس. كلّمنا قبل أن نكلّمه.



قلّة الثقة والإيمان وهي تجربة نقع فيها دائماً إذ نصلّي (خاصةً في صلاة الطلب) غير منتظرين ولا متأكدّين أنّ الله سيستجيب طلبنا. حالنا كحال أولئك الذين نبّههم كاهن رعيّتهم لأنّهم، أتوا الى الكنيسة ليصلّوا صلاة الإستسقاء، دون أن يجلبوا معهم مظلاتهم.

من ناحية ثانية، يجب أن لا نيأس لأنّ صلاتنا لم تُستجب. صلاتنا هي دائماً مُستجابة ولكن ليس دائماً كما نرغب. الله وحده يعرف أكثر منا حاجاتنا وما هو خيرٌ لنا.

صلاة الطلب هي طبعاً تعبيرٌ عن حاجاتنا ولكنها لا تكتمل إلاّ بالانفتاح على الثقة والتشبث بالإيمان. لنكن دوماً متأكدّين أنّ الله يسمع ويستجيب لصلاتنا ويعطينا العون الذي ينمي فينا الحياة الإلهيّة.



صعوبة أخيرة تكمن في
عجزنا من تجسيد صلاتنا في أعمالٍ وتصرفات. لا نفع لصلاةٍ لا تحققّ تحوّلاً إيجابيّاً في مسيرتنا الإنسانيّة وروحنة لالتزاماتنا الإجتماعيّة وثباتاً في قيمنا الإنجيليّة. لذلك يجب أن نُدرك أنّ ما هو أهمّ من صلاتنا هي مفاعيل الصلاة أكانت روحيّة داخليّة أو خارجيّة علائقيّة. ''لا أريد ذبيحة بل رحمة''.



الصّلاة طريق صاعد تُفضي بنا إلى الثالوث. وكما في كلِّ صعود هناك تعبٌ وصعوبات، كذلك في الصّلاة صعوباتٍ لا يمُكننا تخطيها إلاّ بالتأمل والتشوّق الدائمين إلى الهدف، القمة، أي الوصول إلى يسوع. هدف الصلاة تماهينا بالمسيح، فلا شيء يجب أن يمنعنا عنه كما يقول القدّيس بولس.

الموضوع الرابع
الصّلاة الشخصيّة والجماعيّة
مع تركيز على دور الروح القدس

هل ينبغي أن نفضّل الصّلاة الجماعيّة على الصّلاة الفرديّة؟

ليس بالسهل الإجابة، على هذا السؤال، التي تتطلب بعض الدقة.

بالواقع، إنّ كل صلاة، حتى التي تصعد من عمق النفس، يجب أن تكون صلاة الكنيسة وبالتالي صلاة الجماعة. فالمصلّي عليه أن يحمل، حتى في مناجاته الشخصيّة، همّ العالم أجمع ونوايا الجسد السرّي الأكثر إلحاحًا.

فإن كنا نميّز بين الصّلاة الشخصيّة وتلك الجماعيّة فإنّما بسبب اختلاف شكلهما وليس باختلاف روحهما الذي يجب أن يبلغ، كلّ وبحسب مظهره، جهدًا مشتركًا للاعتلاء نحو الرب والاتحاد بالروح القدس.



أي بُعد نعطي، إذًا، للأفضلية المعطاة للصلاة الجماعية؟

إنّ الصّلاة الجماعيّة هي صلاة مشروعة شرط ألاّ تجعلنا نهمل أو حتى نلغي الصلوات الشخصية. ''أمَّا أنت، فإذا صَلَّيتَ فادخُلْ غُرفَتَكَ وأغلِقْ بابَها وصَلِّ لأبيكَ الَّذي لا تَراهُ عَينٌ، وأبوكَ الَّذي يَرى في الخِفْيَةِ هوَ يُكافِئُكَ'' (متى ٦،٦). وهناك عدد لا يستهان به ممن ينصرفون إلى مزاولة الصلاة الجماعيّة تاركين برنامج الحياة الداخليّة، خصوصًا التأمل. وهذا غلط، فوحدهم المصلّين، الذين لا يهملون متطلبات الحياة اليوميّة في الصّلاة الشخصيّة، يتلمسون الكنز المحتجب لحياة الكنيسة وصلاتها. هذا لا يمنعنا عن الإعلان بأنّ الصّلاة الجماعيّة هي أغنى من الصلاة الشخصيّة، وتشكّل عنصرًا لا غنى عنه في تقديس جسد المسيح السرّي، بالإضافة إلى ما يولّده تكرار الصلوات من الانفتاح على جديدها المتأصل.

وعليه فإنّ الصّلاة، سواء كانت شخصيّة أو جماعيّة، يكفي أن تكون من وحي صلاة الكنيسة وتعاليمها لتعتبر صلاة الكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسوليّة يحيها روح الرب القدّوس ويقودها. فنردد مع المرنّم هاتفين: ''إنّ الروح يصلي فيكم بأنّات لا توصف...''.



الموضوع الخامس
الكتاب المقدّس ينبوع الصّلاة

نحن نؤمن أنّ إلهنا يتكلَّم ونحن نقبله في الصّلاة الشخصيَّة كما في الصّلاة الجماعيَّة، ولكن خصوصًا في الصّلاة الليتورجيَّة. فالكتب المقدَّسة هي واقع ليتورجيّ ونبويّ إنّها أكثر من سفر مكتوب، فهي إعلان الروح القدس وشهادته بالنسبة إلى حدث المسيح (كلام الله، ٢٢). إنَّ المسيح هو حاضر في كلمته، لأنَّه هو الذي يتكلَّم حين تُقرأ الكتب المقدَّسة في الكنيسة (دستور عقائدي في الليتورجيا المقدسة، ٧ و٢٤). وللكتاب المقدَّس أهمِّيَّة قصوى في الصّلاة الشخصيّة وفي الاحتفال الليتورجيّ ولاسيّما في إفخارستيّا يوم الأحد، والأسرار، وصلاة الفرض، والرّتب، ومختلف أنواع التقوى الشعبيَّة.

الكتاب المقدّس العهد القديم ينبوع صلاة

إنّه يكشف لنا تدبير الله وعهده مع الشعب، فمحبّة الله التي تجلّت في الخلق والتحرير والوعد، وفي كتابات الأنبياء، هي نفسها المحبّة التي يحبّنا الله بها اليوم. فقد خاطب الله شعبه في الماضي وهو يخاطبنا اليوم أيضًا، وما الصّلاة الاّ مخاطبة متبادلة وحوار بين الله والإنسان.

المزامير والأناشيد هي صلاة الجماعة والفرد وصالحة لمختلف المناسبات والحالات الروحيّة. يمكن أن نستعمل هذه الصلوات الكتابيّة للتعبير عن التوبة والشكوى (٥١،٦) والنَّوح (٣٥) والشكر (٩٢،٧٥) والتمجيد (١٠٠) وتجديد العهد مع الله (٥٠) وروح العبادة الجماعيّة (٢٤)؛ وطلب الحكمة (٤٩).

الكتاب المقدّس العهد الجديد ينبوع صلاة

إنّه يُخبرنا عن يسوع المسيح صورة الآب وعن أعماله وتعاليمه وآياته ومواقفه. إنّ يسوع المتّحد بالآب هو مثالنا في الصّلاة وقد علّمنا عن الصّلاة (متّى ٥،٦-٨) وكيفيّة الصّلاة الى الآب (متّى ٩،٦-١٥). إنّ كلام يسوع المسيح الذي هو روح وحياة يضيء حياتنا، يطهّرنا (يوحنّا ٣،١٥)، ويغذّينا في حجّنا على هذه الأرض. والروح القدس الذي يرشدنا إلى الحقّ ويذكّرنا بما قاله الربّ يصلّي فينا بأنّات لا توصف (رومة ٢٥،٨) ويُدخلنا في شراكة مع الآب والابن.

إنّ كُتب أعمال الرسل والرسائل والرؤيا تتحدّث عن الصّلاة وتقدّم لنا صلوات وأناشيد ونصوصًا تساعدنا على الصّلاة الشخصيّة والصّلاة من أجل الآخرين، كما تبيّن لنا أهميّة الصّلاة في حياة الجماعة المؤمنة (أعمال ٢٣،٤-٣١) وحياة الرسول الشخصيّة (رومة ٥،١٥-٦ و١٣؛ أفسس ١٦،١-١٩؛ ١٦،٣-١٩؛ فيليبي ٩،١-١١؛ قولسّي ٩،١-١٢؛ تسالونيقي الثانية ١،١-١٢؛ عبرانيّين ٢٠،١٣-٢١؛ يعقوب ١٣،٥-١٨).

اقتراحات للصلاة الشخصيّة مع الكتاب المقدّس القراءة الربيّة: قراءة نصّ كتابيّ، تأمّل، صلاة، ومشاهدة. الطريقة الإغناطيّة: وضع الذات في حضرة الله، طلب النعمة، قراءة متمهّلة وتذوّق، ومناجاة.

اقتراحات للصلاة الجماعيّة مع الكتاب المقدّس تشجيع دراسة الكتاب المقدّس واستخدام نصوصه في رتَب التوبة، واجتماع الجماعات الرعويّة، وساعة السجود أمام القربان، وسائر الاحتفالات الطقسيّة واللاطقسيّة.


الموضوع السادس
الصّلاة والحياة

مقدمـة نعالج في هذا الموضوع الأخير العلاقة بين الصّلاة، أيّاً كان نوعها، والحياة، حياة مَن يصلّي. ونتساءل: هل تؤثر الصّلاة في تفكيرنا ومسلكنا، أم هناك فصل بين مجالين غير متداخلين: مجال الصّلاة ومجالات حياتنا الدنيويّة في كل مراحلها. وهل تشكّل الصّلاة التي لا تنفح الحياة عائقاً لتقدّمنا الروحيّ وعثاراً للآخرين؟

أ. يسوع يربط بين الصلاة والعمل (لوقا ٤٦،٦-٤٩)

- إنّ العلاقة بالرب (الصّلاة) تُبنى على العمل بمشيئته، لا بالأقوال.

- ولا ينفع الاعتداد بأنّنا ننتسب إليه ونتكلّم باسمه، ونعمل عكس ما يريد. يسوع يعتبر ذلك نفاقاً.

- ولقد حذَّر يسوع من رياء الكتبة والفريسيين: قول دون عمل: (متى ٢٣) كما طوّب أمه وتلاميذه الذين يسمعون ويعملون: (لوقا ١٩،٨-٢١).

- وكان الأنبياء يحذّرون أيضاً: هذا الشعب يكرّمني بشفتيه وقلبه بعيد مني: (متى ٧،١٥-٩).

ب. ربط الحياة كلّها بالله لربط الصّلاة بالحياة لا بدّ من ربط حياتنا بالله واكتشاف إرادته والعمل بها.

- إرادة الله ظاهرة في تصميمه الخلاصي (افسس ١) وفي وصاياه وفي الكتاب المقدّس والكنيسة.

- وإرادة الله ظاهرة في ما نقوم به من واجبات ونتحمل من مسوؤليات بوحي من تعليم يسوع ومثله بنية مستقيمة دون استغلال مراكزنا والآخرين لمنفعتنا الخاصة.

- وهذا يفترض الثقة البنوية بالله وطاعته لأنّه أبّ يحبّنا: مثل الابنين متى ٢٨،٢١-.٣٢

ج. وسائل ومقاييس

من الوسائل

- المحافظة على الصّلاة الشخصيّة اليوميّة، ورفع القلب الى الله وتذكّره بصلوات قصيرة أثناء العمل وقيادة السيارة... مثلاً: يا يسوع أنا أحبك؛ الشكر لك يا رب...

- المثابرة على فحص الضمير اليوميّ لاكتشاف نِعم الله ومحبته لنا والشكر عليها، ولطلب معونته لإصلاح الذات واكتساب الفضيلة.

الاستعانة بكتاب صلاة والعهد الجديد لتغذية صلاتنا وربطها بيسوع. وحفظ بعض الآيات وتردادها.

مقياسان مهمّان

- المغفرة والتسامح: متى .١٤،٦

- محبة الآخرين بخدمتهم والحفاظ على صيتهم.

خاتمـة المشاركة في صلوات الرعيّة والطقوس ومعاشرة يسوع في إنجيله يخلق فينا الشوق لمحادثته والاصغاء اليه والاقتداء به وتتميم إرادته فنتخلّق بأخلاقه وذلك بمعونة الروح القدس وشفاعة أمنا مريم

 

 



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +