Skip to Content

زمن الميلاد 2005-2006 - المطران بشارة الراعي

 

زمن الميلاد المجيد

2005 – 2006

المطران بشارة الراعي

 

                                                                                                                                               

                                                                    

1- تقديس البيعة وتجديدها      :      ميزات كنيستنا حضارة حياتنا                                   

 

2- بشارة الملاك لزكريّا        :      الليتورجيّا، الينبوع والقِمّة                    

 

3- بشارة الملاك لمريم         :      حضارة الحوار والتجسّد                     

 

4- زيارة مريم لاليصابات      :      شركة وتقاسم

 

5. مولد يوحنا المعمدان        :      وعد الله يتحقق في كل مولود

 

6. البيان ليوسف        :      كرامة الأسرة والحياة الرهبانيّة والمكرّسة

 

7. نسب يسوع                  :      المسيح مشتهى الأجيال وكاشف سرّ الانسان

 

8. ميلاد الرب يسوع           :      روحانيّة التجسّد

 

9.ختانة الطفل يسوع

 ورأس السنة ويوم

السلام العالميّ                   :      يسوع سلامنا، هبة ومسؤوليّة                                                  

 

****

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تقديم

 

      

 

تبقى كلمة الله الموحاة في الكتب المقدّسة، والمعلنة من الكنيسة، والمحتفَل بها في الليتورجيّا «النور الذي ينجلي للأمم» (لو2/32). «فكلّ بشر كالعشب، وكلّ مجد له كزهر العشب: العشب ييبس والزهر يسقط، أمّا كلام الله فيبقى للأبد» (1 بطرس 1/24). كلمة الله يسوع المسيح.

 

       كثيرون طالبوا بنشر شرح الانجيل المعطى في برنامج التنشئة المسيحيّة أو بشرى الراعي، عبر تليلوميار وفضائيّتها نورسات وإذاعة صوت المحبّة، ليكون النصّ في متناول العامّة.

 

       وكانت دعوة البابا يوحنّا بولس الثاني في الارشاد الرسوليّ: «رجاء جديد للبنان» إلى الأساقفة والكهنة: «إنّي ألفت انتباه الرعاة خصوصًا إلى مواعظ الأحد التي يجب إعدادها بكثير من العناية، بالصلاة والدرس. وإنّي أشجّع تشجيعًا حارًّا، في هذا الصدد، المبادرة الرامية إلى توفير ملفّات للكهنة تتضمّن دراسات تفسيريّة، تُلهم التأمّل الذاتيّ، وتمكّن من إعداد المواعظ بطريقة أعمق» (عدد 39).

 

       بعد اختتام دورات المجمع البطريركيّ المارونيّ الثلاث ( 2003- 2005 ) والتصويت على النصوص والتوصيات، وبانتظار إعلانها رسميًّا في حزيران 2006، كان لا بدّ من إعداد العقول والقلوب لسماع «ما يقول الروح للكنيسة» (رؤيا 2/7) من خلال هذا المجمع، في الظروف الراهنة، الكنسيّة منها والوطنيّة. ولا بدّ أيضًا من البدء في تطبيق تعليم المجمع وتوصياته ولو جزئيًّا.

 

       لذلك، أخذت على نفسي أن أواصل التنشئة المسيحيّة، مقسَّمةً على أزمنة السنة الطقسيّة، مقرونةً بخطّة راعويّة أسبوعيّة، تهدف إلى عيش كلمة الله في تطبيق تعليم المجمع وتوصياته، مضمومة إلى توصيات الارشاد الرسوليّ ومبادئه.

 

       إنّ التنشئة والخطّة الراعويّة موجّهتان إلى الآباء والكهنة والشمامسة، وإلى الأفراد والجماعات المنظّمة، بدءًا من الرعيّة والعائلة والمدرسة والجماعة الرهبانيّة، فإلى المنظّمات الرسوليّة على اختلاف أنواعها ومن بينها الأخويات، وأخيرًا إلى المؤسّسات التعليميّة والاجتماعيّة والثقافيّة والاستشفائيّة، والنوادي وما شابهها.

 

       نأمل في أن يكون الجلوس إلى مائدة الكلمة ومائدة جسد الربّ، والانطلاق الى الشهادة والرسالة، مواكبًا آحاد الزمن الطقسيّ وأسابيعها، لكي ننمو معًا على شبه قامة المسيح يومًا بعد يوم، وهكذا «ينجلي نوره للجميع».

 

 

+ بشاره الراعي

مطران جبيل

 

 

 

تقديس البيعة وتجديدها

إنجيل القدّيس متّى 16/13-20

 

ميزات كنيستنا حضارة حياتنا

 

       نفتتح السنة الطقسيّة بالتأمّل في تقديس الكنيسة وتجديدها، لتكون المكان والأداة لنعيش حياتنا المسيحيّة في ضوء سرّ المسيح، الكلمة المتجسّد. إنّنا نحتفل اليوم بعيد تقديس الكنيسة، معلنين قداستها النابعة من الثالوث القدوس: من محبّة الآب ونعمة الإبن وحلول الروح القدس، وداعين المؤمنين ليتقدّسوا بكلمة الإنجيل ونعمة الأسرار وخدمة المحبّة. ونحتفل ايضًا بعيد تجديدها الذي هو عمل الروح القدس الذي يحييها، لكي نلتزم بالتجدّد الشخصيّ وبتجديد الهيكليّات والمؤسّسات.

 

أوّلاً – معاني نصّ الإنجيل ( متّى 16/13-20)

 

       لا بدّ من شرح معاني نصّ الانجيل للتمكّن من الولوج إلى مفهوم النصّ ببعديه اللاهوتيّ والكنسيّ.

 

       «قيصريّة فيلبّس» هي المدينة التي بناها هيرودس فيلبّس على سفح جبل حرمون سنة 2 أو 3 قبل المسيح، اكرامًا  للقيصر أغسطوس، الذي كان يلقب بالالهيّ. المنطقة كانت مكرّسة لاله الحقول بان (Pan) المكرّم في المغارة التي ينبع منها نهر الأردن الشماليّ، وكان اسمها بانياس، المعروف في يومنا. دُعيت قيصريّة فيلبّس لتمييزها من القيصريّة الساحليّة الواقعة على شاطىء البحر المتوسّط بين جبل الكرمل ويافا. فيها، حيث كان يُعبد الاله الوثني «بان»، أُعلنت ألوهية المسيح ابن الله الحيّ، الذي هو الاله وحده مع الآب والروح القدس.

 

        «من يقول الناس إنّي أنا ابن الانسان؟» لقد أراد يسوع بطرح هذا السؤال البلوغَ إلى إعلان ألوهيّته في هذا المكان بالذات، باستدراج تلاميذه: «من يقول الناس؟» ثمّ «وأنتم من تقولون إنّي هو؟» للفظة ابن الانسان معنيان: الأوّل، اجتماعيّ بشريّ أي يسوع المعروف «بابن يوسف النجّار» (متّى 13/55) أو«بالنجّار ابن مريم» (مرقس6 /3)، الثاني، لاهوتيّ، وقد أطلق يسوع على نفسه هذا اللقب كلّ مرّة كشف فيها عن ألوهيّته: بشفاء المخلّع ومغفرة خطاياه (متّى 9/6)، بإعلان نفسه ربّ السبت وبافتتاح رسالته المسيحانيّة، رسالة الرحمة (متّى 12/8)، وبإعلان سرّ الفداء: «ابن الانسان لم يأتِ ليُخدم بل ليَخدم، ويبذل نفسه فدى عن الكثيرين» (متّى 20/28)، وفي مناسبات أخرى عديدة. وحده يسوع استعمل هذا اللقب في العهد الجديد، باستثناء اسطفانوس (أعمال 7/56)، ويوحنّا الرسول في الرؤيا (1/13؛14/14). أمّا في العهد القديم، فاستعمله كلّ من حزقيال بالمعنى الاجتماعيّ: « قال لي الربّ: يا ابن الانسان، قم على قدميك فأتكلّمَ معك» (حز 2/1-3)، ودانيال بالمعنى اللاهوتيّ: «وكنت أنظر في رؤياي ليلاً، فإذا بمثل ابن الانسان آتٍ على غمام السماء واُوتي سلطانًا ومجدًا وملكًا..» (دا 7/13-14).

 

 

        أنت المسيح ابن الله الحيّ «هذه التعابير موجودة في العهد القديم: لفظة «مسيح» بالعبريّة  «ماشياح» «تعني الذي مُسح من الله واختير ليكون كاهنًاً أو ملكًا، وليقوم بمهمّة قيادة شعب الله إسرائيل: «تمسحهم وتكرّمهم وتقدّسهم ليكونوا لي كهنة» (خروج 28/41: كلام الله لموسى). «وأتى رجال يهوذا ومسحوا هناك داود ملكًا على بيت يهوذا (2 صموئيل 2/4). وأقبل جميع أسباط إسرائيل إلى داود في حبرون وقالوا: لقد قال لك الربّ أنت ترعى شعبي إسرائيل، وأنت تكون قائدًا له. وأقبل جميع الشيوخ إلى داود، فقطع الملك داود معهم عهدًا في حبرون أمام الربّ، ومسحوا داود ملكًا على إسرائيل» (2 صموئيل 5/1-3). ولفظة «ابن الله» قيلت بالنبوءة عن سليمان الملك على لسان ناتان لداود: «وإذا تمّت أيّامك ورقدت مع آبائك، أقيم من يخلفك من نسلك الذي يخرج من صلبك، وأثبّت ملكه، فهو يبني بيتًا لاسمي، وأنا أثبّت عرش ملكه للأبد. أنا اكون له أبًا وهو يكون لي ابنًا (2 صموئيل 7/12-14). وهكذا تنطوي لفظة «مسيح»  و «ابن الله» في العهد القديم على اختيار ورسالة وتأييد من الله، من أجل خير الشعب وخلاصه.

       رأى سمعان بطرس، بنور الايمان، أنّ يسوع هو بالامتياز المسيح ابن الله الحيّ. على هذا الايمان بُنيت الكنيسة وتَثبت الى الأبد. ولكن بالمقابل، هذه الحقيقة كانت سبب الحكم على يسوع بالموت: أمام المجلس سأل قيافا عظيم الكهنة يسوع: أستحلفك بالله الحيّ لتقول لنا، هل أنت المسيح ابن الله. فأجابه: «أنا ما تقول». فشقّ عظيم الكهنة ثيابه وقال: لقد جدّف. يستوجب الموت (متّى 26/63-68). يسوع هو «ابن الله»، الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، وهو «المسيح» الذي اختاره الآب ومسحه بالروح القدس، وأرسله لخلاص العالم (أنظر البيان ليوسف متّى 1/20-23). إنّه بامتياز النبيّ والكاهن والملك: هو المعلم والكلمة (النبيّ)، وهو الكاهن والقربان، المخلّص والخلاص (الكاهن)، وهو الملك والملكوت الذي لا انقضاء لملوكيّته ولا لملكه (الملك).

 

        «أنت هو الصخرة»

 

       بالآراميّة، لغة السيّد المسيح، الصخرة تعني «كيفا»، وباليونانيّة Petros ، التي منها بطرس. هي الاسم الجديد لسمعان بن يونا الذي أصبح بطرس (يو 1/42)، وهي رمز للرسالة الموكولة إليه أي أن يكون مبدأ وحدة الكنيسة: «على  هذه  الصخرة أبني كنيستي». إنّها صخرة الايمان «بالمسيح ابن الله الحيّ» التي لا تتزعزع مهما عصفت بها رياح الشرّ (أبواب الجحيم)، كالبيت المبنيّ على الصخر (متّى 7/25) ولا تسقط بين أيدي الأشرار ولا تموت: «وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» أي لن تنغلق عليها أبواب مثوى الأموات (سفرالعدد 16/31-33). استعمل يسوع صورة الصخرة بسبب الصخور الشاهقة التي تعلو مكان عبادة الاله «بان». واستعمل صورة أبواب الجحيم بالنسبة إلى فوهة المغارة حيث كانت تمارس خطايا الجنس في أفعال عبادة «بان»، هذه الفوهة كانت تلتهم كلّ المشاركين.

 

       «أبني كنيستي»

 

       للكنيسة في الآراميّة والعبريّة لفظتان: «عيدتاه» - بيعتي و«كنوشتاه» كنيستي، بالسريانيّة «عيدتو» و«كنوشتو». أمّا المعنى فواحد: «جماعة الربّ» التي يدعوها ويجمعها. اللفظة موجودة في العهد القديم بالعبريّة، وهي «قاهال» (عدد 16/3؛20/4). وعندما تجتمع الجماعة تسمى «المحفل المقدّس» (خروج 12/16). جماعة الربّ هذه، قاهال، هي إسرائيل أي شعب الله. أمّا الترجمة اليونانيّة فهي ekklésia المتجانسة لفظيًّا مع «قاهال» والمشتقة لغويًّا من فعل  ekkaléo ومعناه «أدعو». استعمل السيّد المسيح لفظة العهد القديم وسمّاها «كنيستي» أي جماعة الذين دعاهم، التي عرفت مع الجماعة المسيحيّة الأولى بإنّها شعب الله الجديد: «أمّا أنتم فإنّكم ذرّية مختارة وجماعة كهنوتيّة وأمّة مقدّسة وشعب اقتناه الله للاشادة بآيات الذي دعاكم من الظلمات إلى نوره العجيب. لم تكونوا بالأمس شعب الله، وأمّا الآن فإنّكم شعبه»(1 بطرس 2/9-10).

       هذه هي الكنيسة- السرّ والشركة والرسالة التي يكشف عن وجهها، بعنصريه الالهيّ والبشريّ، الارشاد الرسوليّ «رجاء جديد للبنان» (فقرة 19و20). يدعونا مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك في رسالتهم «سرّ الكنيسة»، للتمييز بين الكنيسة والطائفة ولعدم الخلط بينهما. فالطائفة هي الاطار التاريخيّ والتنظيميّ والاجتماعيّ والسياسيّ الذي تعيش فيه الكنيسة (عدد4). فكانت الطوائف وكانت الروح الطائفيّة التي تحرّف مفهوم الدين وتناقض مفهوم الكنيسة، إذ لا ترى فيها سوى جماعة بشريّة مثل غيرها من الجماعات، تحصر معظم همّها في ذاتها وبقائها وامتيازاتها وسائر أبعادها البشريّة (عدد 11).

 

       «لك أعطي مفاتيح ملكوت السماء»

 

       «مفاتيح الحلَ والربط»، أي التحليل والتحريم، رمز تعبيريّ عن السلطة التي سلّمها السيّد المسيح لبطرس رئيس الكنيسة، وللرسل اعمدتها، ولخلفائهم الأساقفة رعاة الكنائس المحليّة، وللكهنة معاونيهم. إنّها سلطة مثلّثة: التعليم والتقديس والولاية، وما يتّصل بهذه الأخيرة من سلطة تشريعيّة وإداريّة وقضائيّة. إنّ السلطة الالهيّة المعطاة للبشر ليمارسوها بالطاعة للشريعة الالهيّة الموحاة في الكتب المقدّسة، وللشريعة الطبيعيّة المكتوبة في الطبيعة البشريّة، هي غير سلطة القيصر والملك البائدة التي تحلّل الحرام.

       بالرسامة المقدّسة يصبح الأساقفة ومعاونوهم الكهنة مطبوعين في كيانهم الداخليّ على صورة السيّد المسيح النبيّ والكاهن والملك، وينالون مهمّة التعليم والتقديس والولاية، يمارسونها بسلطان مقدّس (كهنوت الخدمة) بالشركة في الرئاسة التي تعني شركة الأساقفة مع رأس الكنيسة الجامعة الذي هو الحبر الرومانيّ، وبشركة الكهنة مع رأس الكنيسة المحليّة الذي هو الأسقف.

        وبالمعموديّة يصبح المؤمنون شركاء في كهنوت المسيح المثلّث، مؤتمنين على رسالته الخلاصيّة التي هي رسالة الكنيسة. إنّه الكهنوت العامّ، كهنوت شعب الله الجديد، يقوده ويوجّهه كهنوت الخدمة. لا كنيسة من دون معموديّة وكهنوت. ولا كنيسة من دون قانون الايمان والأسرار السبعة والسلطة التراتبيّة.

 

***

      

ثانيًا– الخطّة الراعويّة

 

       أ- الانتماء الى الكنيسة يقتضي إعلان الايمان بالمسيح ابن الله الحيّ، وتجديد حياتنا، فكرًا ومسلكًا وموقفًا، وفقًا لمقتضيّات الايمان بالمسيح. الكنيسة عروس المسيح تعلّمنا الايمان وتقود التجديد. وقفة شخصيّة وجماعيّة: في العائلة، وفي الرعيّة، وفي المؤسّسة، وفي الجماعة الرهبانيّة، وفي المنظّمة الرسوليّة، للتساؤل والمساءلة حول واقع الايمان عندنا، وحول حركة التجدّد فينا.

       ب- الكنيسة الواحدة الجامعة المقدّسة الرسوليّة المتنوّعة بطقوسها: الأنطاكيّ والرومانيّ والأورشليميّ والاسكندريّ والبيزنطيّ وغيرها، والغنيّة بتراثاتها الروحيّة والليتورجيّة والتهذيبيّة والتاريخيّة، هي كالعروس المزيّنة للمسيح عريسها. الكنيسة المارونيّة تحقيق لها، وتزينها بطقسها وتراثها اللذين يشكّلان هويّتها ورسالتها، كما كشفها باسهاب المجمع البطريركيّ المارونيّ، في نصّه الثاني وعنوانه: «هويّة الكنيسة المارونيّة ودعوتها ورسالتها»، والتوصيات. إنّها تشكّل موضوع تعمّق والتزام شخصيّ وجَماعيّ في ميزاتها الروحيّة واللاهوتيّة والليتورجيّة، نذكر ثلاثًا منها: خلال هذا الاسبوع.

 

       1) مارونيّة: تتصف بروحانيّة مار مارون (+410) وتلاميذه وطريقة عيشهم للانجيل: معرفة الانجيل وقراءته والتأمّل فيه؛ حفظ وديعة الايمان والحقائق التي تعلّمها الكنيسة؛ الصلاة الفرديّة والجماعيّة والعائليّة؛ التقشّف والزّهد والنسك والروحانيّة الرهبانيّة؛ البساطة في المسلك وطريقة العيش.

 

       2) أنطاكيّة: نشأت من تبشير الرسل في أنطاكية حيث أسّس بطرس الرسول كرسيّه قبل الاستقرار في روما، وحيث دعي التلاميذ لأوّل مرّة مسيحيين (أعمال 11/26)، وحيث أطلق القدّيس اغناطيوس الأنطاكيّ لاهوت الكنيسة المحليّة القائمة على الوَحدة والشركة، عاموديًّا مع الله، وأفقيًا مع جميع الناس. تتحقّق هذه الوَحدة والشركة في الاحتفال بالافخارستيا، ويشكّل ضمانتَها الأسقف، خليفة الرسل، فيسهر على إعلان الكلمة، وسلامة الايمان، وتعزيز الوحدة والشركة، وتبيان مواهب الروح القدس في المؤمنين وتوظيفها في سبيل بنيان جسد المسيح السريّ، الذي هو الكنيسة.

 

       3) سريانيّة: تنتمي إلى التراث السريانيّ الذي تكوّن في نواحي أنطاكيّة، متفاعلاً مع التراث اليونانيّ. هذا التراث هو تعبير عن الايمان المسيحيّ؛ وقد تجلّى على الصعيد الليتورجيّ في الصلوات الشعريّة التي نظمها لاهوتيّون شعراء أمثال افرام (+ 373) ويعقوب السروجيّ (+ 521) وغيرهما. ويتميّز بالروحانيّة المشبعة بمراجع كتابيّة، والطابع المريميّ والدعوة المتكرّرة إلى التوبة، ورجاء ملاقاة العروس السماويّ في نهاية الأزمنة.

       تقتضي الخطّة الراعويّة أن تتشاور الجماعة، في العائلة والرعيّة والدير والمؤسّسة والمنظّة الرسوليّة، ويتساءل كلّ شخص، حول تجسيد هذه الميزات الثلاث في الحياة، في المسلك والموقف والأسلوب. ونسعى معًا لجعلها حضارة نطبع بها بيئتنا، فيما نستعدّ للاحتفال بتجسّد الكلمة الالهيّ، ابن الله الذي حمل إلى أرضنا قيم السماء.

 

 

       صلاة

 

       قومي استنيري أيّتها البيعة المقدّسة (أشعيا 60/1)، لأن البنّاء الحكيم قد أرسى أساساتك على صخرته، وحصّن أبوابك بيمينه. قومي استنيري، لأنّ مخلّص العالم قد جمع بنيك بين جدرانك، وجبّار العالمين قد اختارك مسكنًا. قومي استنيري، لأنّ الربّ القدّوس قد أفاض عليك من قداسته، وأخرج من بنيك القدّيسين. قومي استنيري لأنّ الربّ القويّ قد رفع شأنك وأنالك الغلبة على أعدائك. «مجد لبنان يأتي إليك» (أشعيا 60/13).

 

 

*****

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بشارة زكريّا

إنجيل القدّيس لوقا 1/1-25

الليتورجيّا الينبوع والقِمّة

 

       مع بشارة الملاك لزكريّا، يبدأ زمن المجيء الاستعداديّ لميلاد الربّ يسوع. عندما كان زكريّا الكاهن يمارس خدمة الكهنوت، بتقديم البخور في هيكل الربّ، تمّ اللقاء مع الله من خلال جبرائيل الملاك. الليتورجيّا أداة اللقاء بين الله والانسان المؤمن، يوحي إليه تصميمه ، ويكشف عن إرادته وعن دور الانسان في هذا التصميم الالهيّ، وينتظر منه جواب الايمان.

 

أوّلاً- مضمون لوحة البشارة

 

1.  معنى بشارة الملاك لزكريّا وأبعادها

 

       البشارة هي نقل خبر مفرح عن تدخّل الله في التاريخ من ضمن تدبيره الخلاصيّ. ثلاث بشارات رسمت حدود تاريخ الخلاص: البشارة لابراهيم بمولد اسحق (تك 17/15-22) الذي من صلبه يولد أسباط شعب الله الاثنا عشر، وهؤلاء من خلالهم تسير كلمة الله الواعدة بالخلاص إلى تحقيقها. البشارة لزكريّا بمولد يوحنّا المعمدان الذي يختتم مسيرة شعب الله، كآخر نبيّ منه، ويفتتح، كالفجر قبل انبلاج الصباح، مسيرة شعب الله الجديد، ويوحنّا فيه أوّل رسول. البشارة لمريم بمولد المسيح الفادي، الذي يبلغ معه ملء الزمن، ويبدأ شعب الله الجديد الذي هو الكنيسة، منفتحًا نحو نهاية الأزمنة.

       الانجيل، بمعناه اللفظيّ، يعني البشارة السارّة الموجّهة الى كلّ إنسان من شعوب الأرض، أيًّا كان دينه أو عرقه أو ثقافته. إنّه كتاب مفتوح تُكتب على صفحاته البيض تدخّلات الله في حياة الأفراد والجماعات.

       ليس الانجيل كتابًا جامدًا كأنّه يحمل خبرًا من الماضي منتهيًا فيه، بل يحمل خبرًا من الماضي هو في أساس الايمان، وتحقيق في الحاضر لمضمون هذا الايمان. فالمسيح إيّاه الذي «هو هو الأمس واليوم وإلى الأبد» (عبرانيين 13/8)، يحقّق الآن ما حقّقه في الحدث المؤسّس. كلّ الأشخاص والأمكنة تتبدّل، لكنّه هو وحده يبقى ويحقّق، في كلّ إنسان وزمان ومكان، الخلاص بمختلف ألوانه وأشكاله وأشخاصه، إلى أن يكتمل تاريخ الخلاص بنهاية التاريخ حسب تصميم الله: «ربِّ، أت في البدء أسّست  الأرض،  والسماوات صنع يديك. هي تزول وأنت تبقى، وكلّها كالثوب تبلى، وطيَّ الرداء تطويها وكالثوب تتبدّل، وأنت أنت وسنوك لا تنتهي» (عبرانيين 1/10-12).

       كان مبتغى زكريّا وإليصابات أن يرزقا ولدًا. فاستجاب الله صلاتهما (لو 1/13). «ولكونهما بارَّين أمام الله وسالكين في جميع وصايا الربّ وأحكامه بلا لوم» (لو 1/6)، بشرّهما بولد، إنّما البشرى للشعب كلّه الذي ينتظر المخلّص والذي سيعدّه يوحنّا لقبول الخلاص: «ستلقى فرحًا وابتهاجًا، ويفرح بمولده أناس كثيرون» (لو 1/14). ويصف الملاك لزكريّا رسالة يوحنّا التي هي مضمون البشرى للشعب كلّه (أنظر لوقا 1/15-17). الكلام نفسه سيقوله الملاك للرعاة عند ميلاد يسوع: «ها إنّي أبشّركم بفرح عظيم يكون للشعب كلّه: ولد لكم اليوم مخلّص، هو المسيح الربّ» (لو 2/10).

       كلّ ولادة طفل إنّما تندرج في خطّ البشارات المفرحة، وتتعدّى الشخص وأسرته إلى المجتمع الأوسع: «أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة» (جبران خليل جبران، النبيّ). وهكذا، كلّ مهمّة تُسند لانسان.

       «بكم زكريّا» الذي «لم يؤمن بأقوال الملاك التي ستتمّ في أوانها» (لو 1/20)، ليس مجرّد قصاص إلهيّ على عدم الايمان، بل هو علامة للشعب عن حدوث الرؤيا والبشارة، ودعوة لزكريّا وزوجته وللشعب إلى التأمّل بصمت ورجاء في تدخّل الله وفي تصميمه وإرادته الخفيّة، وإلى انتظار تحقيق الوعد: «ها أنت تكون صامتًا  لا تقدر أن تتكلّم حتّى اليوم الذي يحدث فيه ذلك» (لو 1/20).

       الصمت وسيلة أساسيّة لسماع صوت الله في القلب، وللتأمّل في أسراره. نصمت ليتكلّم الله، ليتدخّل، ليوحي، فنسمع ونمجّد ونشكر: «كونوا في السّكوت أيّها السامعون، فإنّ الانجيل المقدّس يتلى الآن عليكم. فاسمعوا ومجّدوا واشكروا كلمة الله الحيّ!» الصمت يشمل حالة الآلم والفقر والحزن، والله يخاطبنا من خلال هذه الحالات.

 

2.  الليتورجيّا والبشارة لزكريّا

 

 «فيما كان زكريّا الكاهن يقوم برتبة البخور في الهيكل، تراءى له ملاك الربّ من عن يمين مذبح البخور» (لو 1/10). الليتورجيّا هي الوسيلة التي فيها يتمّ لقاء الله بالانسان، وعمل الخلاص بالمسيح الذي هو الوسيط الوحيد بين الله والبشر (1 تيم 2/5): فهو يعلن البشرى ويشفي القلوب المنسحقة (أشعيا 61/1؛ لو 4/18)، كطبيب للأجساد والأرواح (القدّيس اغناطيوس الأنطاكيّ).

الليتورجيّا هي فعل العبادة لله، الحاضر هنا: يكلّمنا عندما نقرأ كتبه المقدّسة؛ يلهمنا بأنوار روحه القدّوس، يخاطب قلوبنا عندما نصغي إليه بتأمّل وصمت. في هذا الجوّ كلّم الله زكريّا بواسطة جبرائيل الملاك. لا يستطيع إنسان أن يلتقي الله في العقل والقلب إلاّ بواسطة أفعال العبادة، المعروفة بالليتورجيّا. فالله حاضر في الجماعة المصلّية، على ما قال الربّ يسوع: «حيث يجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، أكون هناك بينهم (متّى  18/20) (أنظر الدستور المجمعيّ في الليتورجيّا، 7).

الارشاد الرسوليّ: «رجاء جديد للبنان» يؤكّد تعليم الكنيسة الدائم: أنّ الليتورجيّا هي «ينبوع حياة وعمل الكنيسة وقمّتهما» (عدد 42؛ دستور الليتورجيّا،10). ويؤكّد أنّها هي التي حفظت الكنيسة والكنائس الشرقيّة صامدة في الرجاء على مدى أجيال المحن والمصاعب (العدد نفسه). واعتبرها، إلى جانب كلام الله والتقليد، من ينابيع التجدّد في الكنيسة وثماره (أنظر الفصل الثالث، 39-42).

المجمع البطريركيّ المارونيّ بدوره، الذي خصّص الملفّ الثاني من ملفّاته الأربعة «للتجدّد الراعويّ والروحيّ في الكنيسة المارونيّة وفي الهيكليّات»، جعل الليتورجيّا أوّل المجالات الراعويّة التي يتمّ فيها التجدّد، ومنها ينطلق، وبها تتحقّق وحدة أبناء الكنيسة أينما وجدوا، وبواسطتها يعاش التضامن والترابط بأواصر المحبّة والتعاون (أنظر النصّ 12: الليتورجيّا).

نقرأ في الدستور المجمعيّ «في الليتورجيّا»: تدفع الليتورجيّا بالمؤمنين، وقد امتلأوا من أسرار الله، لأن يكونوا واحدًا في التقوى، ويحفظوا في حياتهم اليوميّة ما قبلوا بالايمان؛ وتشعل في قلوبهم، وقد تجدّدوا في الافخارستيّا وعهد الربّ مع البشر، محبّة المسيح الملحّة بعضهم نحو بعض؛ وتفيض عليهم من الافخارستيّا، كمن ينبوع، النعمة الالهيّة التي تقدّسهم بالمسيح، فيتمجّد الله الذي يبحثون عنه كغايتهم الأخيرة (عدد10).

 

***

 

ثانيًا، الخطّة الراعويّة

 

الاستعداد للميلاد مسيرة تجدّد في حياة الأشخاص، وفي العائلة، وفي الرعيّة، في الجماعة الرهبانيّة، في المؤسّسة، وفي المنظّمات الرسوليّة. الليتورجيّا هي الوسيلة بامتياز لهذا التجدّد. تقتضي الخطّة الراعويّة: التعمّق في مفهوم الليتورجيّا، وتنشيط المشاركة فيها، انطلاقًا من الافخارستيّا التي هي «الينبوع والقمّة». إنّه الموضوع الذي التأمت حوله الجمعيّة العاديّة الحادية عشرة لسينودس الأساقفة الرومانيّ برئاسة قداسة البابا بندكتوس السادس عشر (2-23 تشرين الأوّل 2005)؛ والكنيسة تنتظر إرشادًا رسوليًّا يحمل توصيات هذه الجمعيّة.

يدور التشاور حول الواقع الليتورجيّ: مدى إدراك مفهوم الليتورجيّا عندنا، عند الكبار والصغار وبخاصّة الشبيبة، ومعرفة أسباب التراجع في المشاركة عند الغائبين، وأسباب عدم الفاعليّة في الحياة الروحيّة والمسلك الخلقيّ عند المشاركين.

ويصار إلى إيجاد حلول لكلا الأمرين: التثقيف الليتورجيّ، والمشاركة الشاملة والفاعلة.

يوصي المجمع البطريركيّ المارونيّ:

أ- بتنشئة المؤمنين الليتورجيّة في الرعايا إلى جانب التعليم المسيحيّ وإتقان الأعمال الليتورجيّة، وشرح رموزها، لكي يتمكّن المؤمنون والمؤمنات من المشاركة الواعية والفعّالة فيها.

ب- بتحضير الأهل والعرّابين لسرّ المعموديّة والميرون، والأطفال ووالديهم للمناولة الأولى، والمخطوبين لسرّ الزواج وقدسيّة العائلة وكرامتها ورسالتها، والمرضى لسرّ مسحة المرضى التي تقدس الأوجاع وتشفي نفسًا وجسدًا ، والمنازعين للمثول أمام رحمة الله عبر الموت.

تقوم الخطّة الراعويّة على عمليّة تحسيس بهذا الأسبوع، وعلى الالتزام بها في الحياة الرعائيّة والعائليّة والجَماعيّة والاجتماعيّة.

 

       صلاة

      

أيّها الكلمة الاله الذي لا أمرٌ عسير عنده، والذي ينعش في القلوب الآمال المائتة، ويهب الرجاء من لا رجاء لهم، امنحنا أن نتفهّم تدابيرك، وندرك أسرارك. ثبّت قلوبنا على الايمان، فلا تقلق. وأهّلنا أن نعظّم محبّتك التي بها خلصتنا، ونرفع إليك المجد وإلى ابنك وروحك القدّوس إلى الأبد. آمين.

 

*****

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بشارة الملاك لمريم

إنجيل القدّيس لوقا 1/26-38

حضارة الحوار والتجسّد

 

       إنجيل «بشارة مريم» هو بداية سرّ الكنيسة؛ بل الله يصير إنسانًا لابسًا الطبيعة البشريّة، ويعرف بيسوع المسيح التاريخيّ. ويصبح رأس البشريّة الجديدة التي لا عيب فيها، وتعرف بجسد المسيح السريّ، ويصيران معًا المسيح الكليّ (القدّيس أغسطينوس). في شخص مريم، عذراء الناصرة، وبواسطتها، تحقّق كلّ ذلك.

 

أوّلاً، اللوحة الانجيليّة

      

1.  مضمون البشارة

 

       في الشهر السادس، بعد ستة أشهر من البشارة لزكريّا بمولد يوحنّا الذي «يسير أمام الربّ، كالسراج، ويمهّد له الطريق»، كانت البشارة لمريم بولادة المخلّص. الله هو سيّد تاريخ الخلاص، والانسان معاونه في تحقيق هذا التاريخ. من لوحة البشارتين يظهر الانسان في شخص كلّ من زكريّا وإليصابات ويوحنّا ومريم ويوسف ويسوع.

        «عذراء مخطوبة لرجل». هي مريم ابنة حنّه ويواكيم، والرجل هو يوسف من سلالة داود. الخطبة اليهوديّة هي عقد زواج شرعيّ، ينقصه فقط انتقال العروس إلى بيت عريسها للمساكنة. تنصّ العادة اليهوديّة على مهلة لا تتجاوز السنة  بين عقد الزواج الشرعيّ وزفّ العروس إلى بيت عريسها. الاحتفال بالزفاف عندنا يقوم بتسليم العروس إلى عريسها أمام باب الكنيسة، فيكشف العريس الطرحة عن وجهها، للدلالة على انتهاء المدّة الفاصلة بين الخطبة والمساكنة. الطرحة رمز لهذه المدّة، مع كلّ ما تعني من مسلك أخلاقيّ واحترام متبادل.

       حيّاها الملاك بـ«السلام عليك، يا ممتلئة نعمة، الربّ معك» ليس السلام مجرّد تحيّة، بل يعني حسب اللفظة الأصليّة «افرحي، تهلّلي، ابتهجي»، ونجدها في كتب أنبياء العهد القديم مقرونة ببشرى حدث خلاصيّ من عند الربّ (أنظر صفنيا 3/14 وزكريّا 9/9). افرحي يا مريم «لأنّك ممتلئة نعمة»، لأنّ «الربّ معك». اضطربت مريم لهذا الكلام اضطرابًا شديدًا، هو خوف الانسان أمام ما يدعوه الله إليه. المسؤوليّة، كلّ مسؤوليّة زمنيّة أو روحيّة، هي اختيار من الله ينبغي أن يولّد خوفًا شديدًا لدى المدعو، بسبب ما يتطلب الاختيار من التزام ومسؤوليّة. نحن لا نسعى إلى المسؤوليّة، المعروفة اليوم بالوظيفة أو المنصب، بل تُعطى لنا. الحياة تقتضي إعداد الذات الكامل لكلّ مل يُطلب منّا.

       «يا ممتلئة نعمة» تعني يا من نلت حظوة عند الله. فالنّعمة هي نوال حظوة عند الله، أي عطيّة من الله المحسن (سيراخ 18/17) ينعم علينا بها في ابنه الحبيب (أفسس1/6). علامة هذه الحظوة أنّ «الرب معك». هذه اللفظة ردّدها الله لكثيرين: لموسى عند دعوته إيّاه لإخراج شعبه من عبوديّة فرعون «أنا اكون معك وأنا أرسلك» (خروج 3/12)؛ لجدعون «الربّ معك أيّها المحارب الباسل» (قضاة 6/16)؛ لإرميا «إنّي معك لأنقذك.. هاءنذا قد جعلت كلامي في فمك» (إرميا1 /8-9)، لإسحق «أنا إله ابراهيم أبيك. لا تخف فإنّي معك أباركك وأكثر نسلك» (تكوين 26/24)، ليعقوب «أنا معك، أحفظك حيثما اتّجهت» (تكوين 28/15). وفي رسائل العهد الجديد أصبحت هذه الحقيقة دعاء: «النعمة والسلام من لدن الله معكم» أو في الليتورجيّا: «محبّة الله الآب ونعمة الابن الوحيد وشركة وحلول الروح القدس مع جميعكم»، و«السلام لجميعكم» أو في الطقس اللاتينيّ «الربّ معكم». ثمّ أصبحت عند المؤمنين دعاء لمن يغادر، وتحيّة الشخص الذي يصل أو يتّصل: «الله معك، الله معكم». إنّها ذات مضمون لاهوتيّ. ويفسّر الملاك لمريم مضمون «النعمة- الحظوة- العطيّة» بما يشكّل موضوع البشارة: «فستحبلين وتلدين ابنًا، فسميه يسوع..».

       اسم «يسوع»  يعني «الله يخلّص» . إنّه «عظيم» للدلالة على سموّه: فهو «ابن العليّ» أي ابن الملك الذي من نسل داود، والذي سيكون الله أباه، وهو ابنه (أنظر صموئيل 7/12-13)؛ إنّه «قدّوس»، أي هو الله، لأنّ لفظة قدّوس اسم يطلق على الله وحده (لوقا 4/34، رسل 3/14)؛ وهو «ابن الله» الذي مسحه الآب وأرسله إلى العالم، كما سيقول بطرس: «أنت المسيح ابن الله الحيّ». في جواب الملاك هذا كلّ لاهوت يسوع المسيح.

       «كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً». آمنت مريم بكلام الملاك، واستفسرت عن كيفيّة الحبل، ولا علاقة زوجيّة لها مع يوسف. فيجيبها أنّه الحبل البتوليّ كما سبق وتنبّأ أشعيا: «العذراء تحبل وتلد ابنًا، اسمه عمّانوئيل أي إلهنا معنا» (أشعيا 7/14). وأكّد لها الملاك أنّ «الروح القدس ينزل، وقدرة العليّ تظلّلك»: يتمّ الحبل بقدرة الله، التي يمارسها الروح القدس، خلافًا للشريعة الطبيعيّة، لأن «ليس عند الله أمر عسير». وهكذا يتجلّى للمرّة الأولى الله الواحد المثلّث الأقانيم: الآب الذي أرسل الملاك جبرائيل إلى مريم، الابن الذي ستحبل به ويولد منها، الروح القدس الذي يُتِمّ فيها الحبل بحلوله عليها قدرة إلهيّة خالقة.

       «أنا أمة الربّ، فليكن لي حسب قولك». جواب مريم هو طاعة الايمان، كما ستتنبأ إليصابات:  «طوبى لتلك التي آمنت أنّ ما قيل لها من الله سيتمّ» (لو 1/45). جواب «نعم» على تصميم الله، وتحقيق الحبل الالهيّ ومجيء الربّ: «الكلمة صار بشرًا وسكن بيننا» (يو 1/14). في العهد القديم، كان مجيء الربّ بمخاطبة الأنبياء، وبالحضور وسط الغمامة. أمّا اليوم فيأتي بشخصه متجسّدًا: فالشخص الثاني من الثالوث القدوس، ابن الله، يتّحد بالطبيعة البشريّة اتّحادًا شخصيًّا، ويصبح يسوع المسيح الاله الحقّ والانسان الحقّ، في شخص واحد، كامل في الألوهة، وكامل في البشريّة، من نفس وجسد، مساوٍ للآب في الألوهة، ومساوٍ لنا في البشريّة كما يعلنها حقيقة إيمانيّة مجمع خلقيدونية (سنة 451). المولود من مريم في الطبيعة البشريّة هو إيّاه ابن الله، الأقنوم الثاني من الثالوث. هذا اللقاء بين الألوهيّة والانسانيّة يؤلّف وحدة لا يمكن فصلها إلى اثنين، كما لا يمكن فصل مياه نهرين يلتقيان ويصبحان نهرًا واحدًا. يسوع الانسان لن يقول، كالأنبياء، «الربّ يقول»، بل «أنا اقول لكم». بهذا المعنى أعلنت الكنيسة في مجمع أفسس (سنة 431) أنّ مريم هي «والدة الاله». في ضوء هذه الحقائق الايمانيّة، أعلن الطوباويّ البابا بيّوس التاسع في 8 كانون الأوّل 1854 عقيدة الحبل بلا دنس، أي «إنّ الكليّة الطوبى العذراء مريم، والدة الاله، بنعمة فريدة وإنعام من الله القدير، وبفضل استحقاقات يسوع المسيح، مخلّص الجنس البشريّ، حُفظت، منذ الدقيقة الأولى للحبل بها، معصومة من دنس الخطيئة الأصليّة»، التي يولد فيها كلّ انسان.

 

2.  مريم وبداية الكنيسة

 

       ما تحقّق في مريم يوم البشارة يجعلها بداية الكنيسة، عروسة المسيح السنيّة التي لا دنس فيها،  المقدّسة وبلا عيب (أفسس 5/27)؛ ويجعلها لشعب الله قدوة في القداسة ومحامية النعمة الالهيّة. إنّها وراءنا كبداية للكنيسة، وأمامنا كقدوة للقداسة تقودنا بيدنا لنرسم ملامح وجه يسوع المسيح الذي جعل نفسه قدوة لنا لنسير على خطاه (1 بطرس 2/12)، فنكون على صورته، وهو ابن الله، البكر لإخوة كثيرين (روم 8/29).

       بهذا المعنى يسمّي البابا بولس السادس مريم «أمّ الكنيسة»، ويسميّها المجمع الفاتيكانيّ الثاني «قدوة الكنيسة وصورة بتولّيتها وأمومتها، وأمّنا جميعًا على صعيد النعمة» (الدستور العقائديّ في الكنيسة 61-65)، نحن الذين أصبحنا بالمعموديّة أعضاء في جسد المسيح السريّ الذي هو الكنيسة. وهكذا هي أمّ يسوع التاريخيّ الكلمة المتجسّد، وأمّ المسيح السريّ أو الكلّي.

***

 

ثانيًا، الخطّة الراعويّة

      

       بعد التعمّق في لوحة البشارة بمعناها الحرفيّ ومعناها اللاهوتيّ، وبعد أن وقفنا على الحقائق التي نؤمن بها، لا بدّ من كشف معناها الخلقيّ لكي نلتزم بما يجب أن نعمل.

       أ) بتجسّد الكلمة ابن الله من مريم، قام حوار ثابت بين الله والانسان. نحن مدعوّون لندخل في هذا الحوار. فيسوع الكلمة يكلّم كلّ إنسان: «هو النور الحقّ الذي ينير كلّ إنسان آتٍ إلى العالم» (يو 1/9). عندما نقرأ كتاب الله ونتأمّل فيه، هو يخاطبنا. وعندما نصلّي، نحن نكلمه (القدّيس أمبروسيوس). يحاورنا الله لكي نحاور بعضنا بعضًا. بالرّغم من تكاثر وسائل الاتصال، الحوار يتعثّر والاتّصال ينقطع في قلب العائلة: بين الأزواج وبين الأهل وأولادهم وبين الاخوة والاخوات؛ في الحيّ: بين الجيران؛ في المجتمع؛ في الكنيسة؛ في الجماعة الرعويّة والرهبانيّة؛ في المؤسّسة والمنظّمة. مسيرتنا نحو الميلاد دعوة إلى الحوار مع الله وبعضنا مع بعض. وبالرّغم من العولمة، تعثّر الحوار أيضًا بين الثقافات والأديان والشعوب والدول، وكثرت الاعتداءات وعمليّات العنف الحسيّ والمعنويّ.

       المجمع البطريركيّ المارونيّ يوصي في النصّ 3: «حضور الكنيسة المارونيّة في النطاق البطريركيّ» بالالتزام في الحوار بمختلف أشكاله: حوار الحياة اليوميّة، وحوار العمل، وحوار الحياة الوطنيّة (رجاء جديد للبنان، 91). إنّه «حضارة الوجه»، كما يسمّيه مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك، أي حضارة اللقاء المحبّ، والحوار الحقيقيّ، والتخاطب المباشر. تقتضي الخطّة الراعويّة التعريف بالآخر على قاعدة الحقيقة والمحبّة، وتنقية الذاكرة من الرواسب السلبيّة، والمبادرة إلى المغفرة والاستغفار.

       ب) بالتجسّد، تشبّه المسيح الاله بالانسان: «صار على مثال البشر» (فيليبّي 2/7) وشابهنا في كلّ شيء ما عدا الخطيئة» (عبرانيين 4/15). شابه الانسان في ولادته وآلامه وعمله وموته. تشبّه الله بالانسان حبًّا به، فعلى الانسان أن يصير مثل الله (القدّيس مكسيموس المعترف). الكلمة الالهيّ صار لابسًا الجسد، لكي نصير نحن لابسي الروح (القدّيس أثناسيوس الاسكندريّ). فكما اتّحد بنا الله وصار معنا جسدًا واحدًا، علينا نحن ان نتّحد به ونصير وإيّاه روحًا واحدًا (1كور 6/17)، بالمسلك الخلقيّ. إيماننا بالمسيح التزام في خدمة المتألّمين والفقراء. فالتّجسد التزام في سبيل الانسان والعالم.

              يذكّرنا المجمع البطريركيّ المارونيّ أنّ كنيستنا المارونيّة خلقدونيّة بالنسبة إلى مجمع خلقيدونيا (451) الذي أعلن عقيدة تجسّد ابن الله جامعًا في شخصه الطبيعة الالهيّة كاملة والطبيعة البشريّة كاملة. حول هذه العقيدة نشأت المارونيّة. فدعيت لتعيش روحانيّة التجسّد وحضارته. ويوصي المجمع بأن تكون من خلال أبنائها ومؤسّساتها حاضرة وفاعلة في محيطها على المستوى الثقافيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ، من أجل نموّ الانسان، كلّ إنسان، نموًّا شاملاً، فيستعيد كرامته وصورة الله فيه (النصّ 3، عدد 17؛ وتفصيل الحضور في النصوص 21-23).

       تقتضي الخطّة الراعويّة أن تتعمّق العائلة والمدرسة والرعيّة والجماعة الرهبانيّة والمؤسّسة والمنظّمة الرسوليّة بروحانيّة التجسّد وثقافة الحضور، وتتّخذ مبادرات عمليّة على المستويات المذكورة.

       ج) مريم في البشارة هي صورة شعب، نحن منه: «تبارك الله أبو ربّنا يسوع المسيح، فقد باركنا بكلّ بركة روحيّة في السماوات في المسيح، إذ اختارنا فيه قبل إنشاء العالم، لنكون أمامه قدّيسين، بلا عيب في المحبّة، وتبنّانا بيسوع المسيح للتسبيح بمجد نعمته، فكان لنا الفداء بدمه والصفح عن الزلاّت على مقدار نعمته التي أفاضها علينا» (أفسس 1/3-8). على مثال مريم نحن مدعو ون لنقول «نعم» بإيمان وحبّ على تصميم الله الخلاصيّ لنا وللعالم. الخطّة الراعويّة تقوم على أن يسعى الأفراد شخصيًَّا والجماعة معًا، بالاصغاء إلى كلام الله والتأمّل فيه وسماع نداءات البيئة والمجتمع وقراءة أحداث الحياة اليوميّة والصلاة، إلى اكتشاف ارادة الله وتصميمه علينا، ونلتزم في الطاعة لارادة الله، وفي تحقيق تصاميمه، وشعاررنا كلمة ابن الله: «هاءنذا آت لأعمل مشيئتك يا الله» (عبرانيين 10/7).

 

       صلاة

       أيّها الابن الأزليّ، يسوع المسيح الاله الكلمة، يا من أتيت من حضن الآب إلى العالم، وحللت في حشا بنت داود البتوليّ، ببشارة جبرائيل رئيس الملائكة. إقبلْ يا محبّ البشر صلاتنا برحمتك، واستجب طلبتنا بنعمتك. أسكن في نفوسنا كما في البتول التي حملت بك. وليَلذّ لك عطر إيماننا كما لذّت نقاوة والدتك. أبهجنا بغفران خطايانا، كما أبهجت أمّك ببشارة مجيئك، فنشكرك على جميع عظائمك بنا، ونشكر أباك المبارك وروحك الحيّ القدّوس، الآن وإلى الأبد. آمين.

 

*  *  *

 
زيارة العذراء لاليصابات

إنجيل لوقا 1/39-56

شركة وتقاسم

 

       بعد البشارتين لزكريّا ومريم، حيث تكلّم الله، تكلّم الانسان في زيارة مريم لاليصابات. الله بكلامه دخل في شركة مع الانسان، وقاسمه خيوره في تصميم الخلاص. بل أعطاه كلّ شيء بشخص يسوع المسيح. ودخل الانسان في شركة مع الله بشخص مريم التي تمثّل كلّ شعب العهد الجديد، وقاسمه تكريس الذات وإرادة التعاون الكامل: «أنا آمة الربّ، فليكن حسب قولك» (لو 1/38). في زيارة مريم تكلّم الانسان مع الانسان، كلام الشركة والتقاسم. تكلّمت مريم بسلام نابع من يسوع الجنين في حشاها، وتكلمت إليصابات وشاركها يوحنّا الجنين في بطنها. إنّها ليتورجيّا الشركة والتقاسم.

 

أوّلاً، اللوحة الانجيليّة

 

1.  الشركة بين الله والانسان: هو يتكلّم ونحن نصغي

 

في البشارتين لزكريّا ولمريم، تكلّم الله بواسطة الملاك جبرائيل، ثمّ صمت. سجّل كلامه وكتب في قلبيهما. وراحا يتأمّلان فيه، ثمّ تكلّما في حينه: مريم يوم الزيارة بنشيد «تعظّم نفسي الربّ» (لو 1/46-55)، وزكريّا يوم مولد يوحنّا عندما انحلّت عقدة لسانه بنشيد «تبارك الربّ» (لو 1/67-79). سماع وتأمّل ثمّ نطق. في البشارة، سمعت مريم واستفسرت، وغاصت في عمق سرّ الحبل الالهيّ، ثمّ نطقت: «ها أنا آمة الربّ، فليكن لي حسب قولك» (لو 2/19)، عنها ردّد لوقا الانجيليّ أنّها يوم الميلاد «كانت تحفظ كلّ هذه الكلمات وتتأمّلها في قلبها» (لو 2/19). عندما وجدا الطفل يسوع بين العلماء في الهيكل، وعاد مع أمّه ويوسف إلى الناصرة، «كانت مريم تحفظ تلك الأمور كلّها في قلبها» (لو 2/51). والسيّد المسيح كشف ميزة مريم في مناسبتين: للمرأة التي أشادت بأمّه: «بل طوبى لمن يسمع كلمة الله ويحفظها» (لو 16/28)، وللّذين أخبروه أنّ أمّه وإخوته خارج الدار يريدون أن يروه: «إنّ أمّي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها» (لو 8/12).

سماع وتأمّل: استماع لله الذي يتكلّم، والتأمّل في كلامه. ولأنّ كلام الله خارج من قلبه، وجب على الانسان أن يسمعه بقلبه. التأمّل هو أن تسمع الله بقلبك لأنّه يخاطب قلبك. قمّة الصلاة التأمّل، وبعد ذلك النطق بالكلمات وبالأعمال والمواقف والمبادرات. تكون هكذا مبدعًا، فتكلّم الله على طريقتك. وتكون خلاّقًا فتقرّر بحريّتك ما تشاء. فالله أرادك على صورته خلاّقًا ومبدعًا. نقرأ في سفر يشوع بن سيراخ: «وأعطى الربّ الناس قلباً للتفكير، وملأهم من الفطنة وأطلعهم على الخير والشرّ، وجعل عينه على قلوبهم، ليظهر لهم عظمة أعماله، فيحمدون اسمه القدّوس ويخبروا بعظائم أعماله» (سيراخ  17/6-10).

يبين يعقوب الرسول قيمة سماع الكلام والعمل به، ولا يفصل بينهما (يعقوب 1/21-25). ويبيّن أهميّة النطق إذا صدر عن قلب متأمّل، وشرّه إذا صدر عن سطحيّة وردّات فعل (يعقوب 3/2-12).

 

2.  في الزيارة، الانسان يتكلّم والله يصمت

 

لم يقل الله كلّ شيء، لأنّه ترك للانسان كلمات يقولها. ذلك أنّ الله الخالق يحترم الانسان المخلوق العاقل، وينتظر منه تشغيل عقله، وتفتّح أحاسيسه، وإصدار حكمه. فعند الله كلام، وعنده صمت. الصمت الالهيّ ناتج من كونه أراد الانسان أن يكون ناطقًا. والنطق لا يعني فقط التلفّظ بأصوات، ولكنّه يعني أوّلاً ما ينتج من خوص النفس في ذاتها وسبر أغوارها. إذا كانت الكتب المقدّسة كلام الله، فأنت لست مجرّد قارىء لها، لكن متأمّل، أي إنّ بشريّتك تقرأ، ومن بعد هذا تأتي كلمتها التي فيها الالهيّ والانسانيّ (أنظر المطران خضر: «هل من شريعة للكلام» في جريدة النهار 20 تشرين الثاني 1999).

ما يقوله الانسان هو من إلهام الروح الذي منذ البدء «يرفرف على وجه المياه» (تكوين 1/2). ولذا عند الله دائماً إلهام جديد، وللروح «المرفرف على وجه المياه» حريّة تحريك المياه، فتكون حياة جديدة وإلهام جديد. أكّد السيّد المسيح لنيقوديموس: «الروح يهبّ حيث يشاء. أنت تسمع صوته، لكنّك لا تعلم من أين يأتي ولا إلى أين يذهب (أنظر يو 3/8)، وللتلاميذ: «لا يزال عندي أشياء كثيرة أقولها لكم، ولكنّكم لا تطيقون الآن حملها. فمتى جاء روح الحقّ، أرشدكم إلى الحقّ كلّه» (يو 16/12-13).

صمت الله بعد البشارتين، فتكلّمت إليصابات، وقد ملأها الروح القدس منذ سمعت سلام مريم وتنبّأت أنّ مريم مباركة بين جميع النساء، وأنّ ثمرة بطنها الحبل الالهيّ مباركة، وأنّها أمّ المسيح الربّ، وأنّها نالت الطوبى لايمانها (لو1/45). وهكذا اكتمل كلام الله بشأن مريم ويسوع. ومن هذا الاكتمال صاغت الكنيسة صلاة «السلام الملائكيّ». وتكلّم الجنين يوحنّا على طريقته إذ «ارتكض فرحاً في بطن أمّه». وتكلّمت مريم بنشيد «تعظّم نفسي الربّ». إنّه نشيدها ونشيد الكنيسة، نشيد إبنة الناصرة وشعب الله الجديد، نشيد الشكر لملء النّعم التي أفاضها ويفيضها تدبير الخلاص، نشيد الفقراء الذين تحقّق رجاؤهم بتتميم الوعود التي قطعها الله لابراهيم ونسله إلى الأبد (التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة 2619). وسيتكلّم زكريّا عند مولد يوحنّا (لو 1/67-76).

كلام الانسان، مثل كلام الله، مبدع. هذا الابداع أراده الله للانسان ليكون على مثاله مبدعًا. الابداع يعني أنّ هناك شيئًا لم يكن، يريدك الله أن تكمله ويريد ان يكمله على طريقة أخرى ويريد تعدّد الطرائق، ويريد أن يقول بكلّ اللغات أشياء مختلفة. لقد قال السيّد المسيح الحقيقة كاملة ونهائيّة: حقيقة الله الواحد في الطبيعة والمثلّث الأقانيم؛ وحقيقة الانسان المخلوق على صورة الله والمفتدى بدم المسيح والعضو الحيّ في الكنيسة جسده السريّ، وهيكل الروح القدس الذي تتجلّى فيه الحياة الجديدة ومواهب الروح، ومعاون الله في تحقيق الخلاص؛ وحقيقة الزمن الذي أصبح مقدّسًا بعد تجسّد الكلمة الالهيّ. فلا وحيَ جديدًا عموميًّا عبر أيّ دين بعد العهد الجديد. غير أنّ هذا الوحي، ولئن كان وحيًا مكتملاً، فليس مستخرجًا صريحًا بكامله (التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة 66-67). وهكذا لم يقل الله كلّ شيء، بل ترك للانسان على مدى الأجيال أن يقول الحقائق النسبيّة بوحي من الروح، وفي ضوء الحقيقة المطلقة.

 

3. في تقاسم حقيقة المسيح وخيرات الأرض

 

سافرت مريم مسرعة من الجليل، من الناصرة بلدتها، إلى منطقة اليهوديّة إلى عين كارم بلدة إليصابات، قرب أورشليم، وهي حامل بالربّ يسوع وممتلئة من الروح القدس، لكي تقاسم إليصابات فرح الايمان بيسوع الذي قبلته من الله، لكي تشهد لايمانها بخدمة إليصابات العجوز والحامل بيوحنّا.

ما يميّز الكنيسة عن سائر الجماعات الدينيّة والأديان هو إيمانها بيسوع المسيح. فهي لا تستطيع أن تحفظ لنفسها وتخفي تحت مكيال نور إيمانها (متّى 5/15)، بل تتقاسمه مع الجميع. إنّ تقاسم حقيقة يسوع المسيح مع الآخرين واجب رئيسيّ على الذين قبلوا عطيّة الايمان. لا تستطيع الكنيسة، وكلّ مسيحيّ، أن تخفي أو تحفظ لنفسها هذا الجديد وهذه الثروة المقبولين من جودة الله بغية نقلهما إلى جميع الناس (الكنيسة في آسيا،10؛ رسالة الفادي ، 10).

مريم في الزيارة هي صورة الكنيسة وصورة كلّ مؤمن مسيحيّ. هي أوّل رسول وأوّل مبشّر بسرّ المسيح. سافرت مسرعة لشدّة الفرح ولعظمة الخبر. نحن أيضًا نذهب بسرعة أو نتّصل لنقاسم الآخرين الخبر المفرح. الأطفال يسرعون قبل الكبار ويسبقونهم لنقل الخبر. هكذا فعل كلّ من الرعاة ليلة الميلاد: «جاؤوا مسرعين إلى مغارة بيت لحم» (لو 2/16)، وتلميذي عمّاوس: «قاما في تلك الساعة نفسها ورجعا إلى اورشليم" (لو24/33)، وبطرس ويوحنا : «ذهبا الى القبر مسرعين ، لكن يوحنا سبق بطرس فوصل قبله الى القبر، وانحنى فأبصر اللفائف، لكنّه لم يدخل» (يو 20/3-5)، والخادمة روضه في بيت أمّ يوحنّا- مرقس لنقل خبر خروج بطرس من السجن (أعمال 12/12-17).

هل فينا هذا الفرح لإعلان سرّ المسيح؟ هل نختبره في حياتنا المسيحيّة؟ هل بالسرعة والفرح نأتي الكنيسة يوم الأحد، وهو يوم الربّ، وبهما نعود إلى عائلتنا ومجتمعنا لنخبر ونقاسم ونشهد؟

مثال لنا كلّ الذين يتفانون بوقتهم وبذل جهودهم للنشاط الرسوليّ، والذين يسخون بمالهم لدعم المؤسّسات الرسوليّة. أخصّ بالذكر الذين يدعمون تليلوميار والذين يؤمنون ميزانيّته السنويّة، لا لغاية سوى لنشر بشرى الانجيل وفرح تقاسم حقيقة يسوع المسيح. ومثال لنا كلّ الذين كرّسوا ذواتهم لرسالة الحبّ والخدمة، وهي رسالة السيّد المسيح، سواء في العالم أم في المؤسّسات الرهبانيّة.

الرسالة في الكنيسة هي تقاسم حقيقة المسيح مع جميع الناس والشعوب والثقافات، وقد قبلناها بامتياز، لا باستحقاق من أحد بل بإنعام من الله. ولهذا، تمتاز الكنيسة بأنّها «رسوليّة»، تحمل للجميع بشرى إنجيل الخلاص والحقائق الموحاة من الروح، هذا الوسيط الشامل بين الله والناس حتّى للّذين لا يؤمنون به صريحًا، حيث المسيح هناك محبّة الآب ونعمة الابن وحلول الروح القدس، وبالتالي الفرح والسلام، كما يوم الزيارة.

والرسالة هي تقاسم خيرات الأرض. تجلّى هذا التقاسم في خدمة مريم لاليصابات، وقد مكّنت عندها ثلاثة أشهر، حتّى مولد يوحنّا. نحن نعلم أنّ تقاسم الخيرات يأتي نتيجة الشركة بين الأشخاص: شركة وتقاسم. قامت شركة روحيّة عميقة بين مريم وإليصابات بالمسيح والروح القدس ويوحنّا، فكان تقاسم الخيرات عبر الخدمة البيتيّة والعائليّة. في الافخارستيّا تنشأ شركة بين الثالوث والمؤمنين، والله يقاسمنا ذاته وخيور السماء بالمسيح، لكي يدخل المؤمنون في شركة أفقيّة فيما بينهم، ثمّ يتقاسمون ما عندهم من خيور روحيّة وماديّة وثقافيّة: «كانوا مواظبين على التعليم وكسر الخبز (الافخارستيا) وتقاسم ما يملكون» (أعمال 2/41-47).

 

 

 

***

 

ثانيًا  الخطّة الراعويّة

 

 

في بيت اليصابات تحقّقت الكنيسة التي هي سرّ الشركة، كما توسّع فيها الارشاد الرسوليّ «رجاء جديد للبنان» (عدد 19-26). «فالكنيسة بالمسيح هي العلامة والأداة للاتّحاد العميق بالله ولوحدة الجنس البشريّ» (الدستور العقائديّ في الكنيسة، 8). في هذه الشركة يتمّ التبادل أو التقاسم بين الله والمؤمنين: «وحّدت يا ربّ لاهوتك بناسوتنا، وناسوتنا بلاهوتك، حياتك بموتنا، وموتنا بحياتك. أخذت ما لنا وأعطيتنا ما لك، لتحيينا وتخلّصنا، لك المجد إلى الأبد» (القدّاس المارونيّ- النافور).

تهدف الخطّة الراعويّة إلى عيش حضارة الشركة والتقاسم، وقد دعا إليها المجمع البطريركيّ المارونيّ في النصّين الخامس بعنوان: «البطريركيّة والأبرشيّة والرعيّة»، والعشرين بعنوان: «الكنيسة المارونيّة والشأن الاجتماعيّ».

أ- تبدأ ثقافة الشركة والتقاسم من الافخارستيا، بالمشاركة الواعية والفعّالة في الليتورجيّا الالهيّة (القدّاس). فيها تتمّ الشركة، اي سرّ الاتّحاد الشخصيّ بالثالوث الالهيّ عاموديًّا، ومع الناس الآخرين أفقيًّا. وبفضل التبادل أو التقاسم بين الثالوث وكلّ مؤمن، ينطلق تقاسم المحبّة والتضامن والتعاون والخدمة بين الناس.

ب- كهنة الرعايا ومرشدو المنظّمات الرسوليّة  والمربّون في العائلة والمدرسة يعزّزون مع جماعاتهم ثقافة الشركة، تربيةً وتوجيهًا وتشجيعًا. يبتكرون مبادرات توطّد الشركة حيث هي قائمة، وتعيد لحمة الشركة حيث هي منكسرة. ويقومون بمبادرات تقاسم وتبادل عمليّة. يوصي المجمع البطريركيّ المارونيّ  في النصّ 20 المختصّ بالكنيسة والشأن الاجتماعيّ، بتوجيه المؤمنين إلى الالتزام الاجتماعيّ، وفقًا لتعليم الكنيسة في هذا الشأن. نلفت الانتباه إلى أنّ لجنة «عدالة ومحبّة» تنشر تباعًا هذا التعليم، كما أنّ المركز الكاثوليكيّ للاعلام ينشر باللغة العربيّة الرسائل البابويّة، وبخاصّة تلك المتعلّقة بالشأن الاجتماعيّ.

ج- نناشد رعايا الأبرشيّة أن تستكمل إنشاء «صندوق الخدمات الاجتماعيّة والانمائيّة» في كلّ رعيّة، وفقًا للنظام الذي وضعته المطرانيّة، وتنشّطه، لكي تتمكّن الجماعة الرعويّة من أداء خدمة المحبّة والافادة منها. لا أحد يجهل تفاقم حاجات المعوزين بسبب تنامي حالات الفقر والبطالة. ونشجّع كلّ مبادرة مماثلة في خدمة المحبّة.

 

 

 

 

 

صلاة

 

تعالي بسلام يا علّيقة موسى، وجزّة جدعون، ومنارة أقداس زكريّا! تعالي بسلام يا ممتلئة نعمة، تباركتِ في النساء وتباركتْ ثمرة بطنك!

مع إليصابات ننشد نحن الخطأة قائلين: السلام عليك يا مريم البتول القدّيسة، بك غُفرت ذنوبنا، ومنك اقتبلنا كلمة الحياة. السلام عليك، بك نهضنا من زلّتنا، ورجعنا عن غيّنا، فاستنار ظلامنا واشتدّت قوانا. في يوم تذكارك ننشد المجد للثالوث القدوس الذي اختارك، من الآن وإلى الأبد، آمين.

 

*  *  *

      

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مولد يوحنّا المعمدان

لوقا 1/57-66

وعد الله يتحقّق في كلّ إنسان يولد

 

       تصميم الله الخلاصيّ يتحقّق في التاريخ بشكل منتظم، ووعوده تتمّ في أوانها من خلال الانسان. ذلك أنّ الله أمين في وعده وفي كلامه: «اعلمْ أنّ الربّ إلهك هو الله الأمين الحافظ العهد والرحمة لمحبّيه وحافظي وصاياه إلى ألف جيل» (خطاب موسى في تثنية 7/9). مع مولد يوحنّا، تجلّت رحمة الله، التي تكتنف البشريّة، كما يعبّر يعقوب الرسول: كلّ عطيّة صالحة وكاملة تهبط من فوق، من أبي الأنوار الذي لا تغيير عنده، ولا ظلّ لتبديل (يعقوب 1/17). أسرة عين كارم، عائلة زكريّا وإليصابات ويوحنّا، صورة لهويّة كلّ عائلة ولدورها في الكنيسة والمجتمع.

 

أوّلاً، مضمون النصّ الانجيليّ

      

1. مولد يوحنّا تتميم لوعد الله الخلاصيّ

      

«أمّا إليصابات، فلمّا حان وقت ولادتها وضعت ابنًا» (لو 1/57).

       كان وعد الله لزكريّا يوم بشّره الملاك: «ستلد لك إمرأتك إليصابات ابنًا، فسمّه يوحنّا إنّه يعدّ للربّ شعبًا كاملاً (لو 1/13-17). عن يوحنّا تنبّأ ملاخي (حوالى سنة 470 قبل المسيح): «هاءنذا مرسل رسولي ليعدّ الطريق أمامي» (ملا 3/1). هذه النبوءة طبّقها الربّ يسوع على يوحنّا (متّى 11/10). أمّا وعدها فيعود بعيدًا إلى وعد الله لابراهيم الذي بدأ معه تصميم الخلاص .

       شوّه الانسان صورة الله فيه بالخطيئة والموت، لكنّه ظلً «على صورة الله»، المتجلّية في الابن، غير أنّه حرم من مجد الله ومثاله (روم 3/23). فكان الوعد لابراهيم أنّ من نسله يولد المسيح، ابن الله، الذي سيحمل «الصورة» ويرمّم «شبهها»، ويعيد للانسان مجده بالروح الذي يعطي الحياة. «قال الربّ لابراهيم: أنا أجعلك أمّة كبيرة، وأباركك وأعظّم اسمك، وتكون بركة. ويتبارك بك جميع عشائر الأرض»   (تكوين 12/1-3). ثمّ كرّر له الوعد عندما أطاع أمره بتقديم ابنه الوحيد اسحق محرقة للربّ: «بنفسي حلفت، بما أنّك فعلت هذا الأمر ولم تمسك عنّي ابنك وحيدك، لأباركّنك وأكثّرن نسلك كنجوم  السماء وكالرمل الذي على شاطىء البحر، ويتبارك بنسلك جميع أمم الأرض، لأنّك سمعت قولي» (تكوين 22/16-18). وشرح بولس الرسول أنّ نسل ابراهيم هو المسيح (غلا 3/16). البركة هي فيض الروح القدس المتفجّر من موت المسيح وقيامته الذي «يجمع كلّ أبناء الله المشتّتين إلى واحد» (يو 13/51-52). هذا الواحد هو الكنيسة، جسد المسيح السرّيّ (أنظر التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة 705-706).

       نشيد زكريّا، الممتلىء من الروح القدس، عند مولد يوحنّا لمّا انحلت عقدة لسانه وعاد إليه النطق، هو إدراك لسّر الوعد لابراهيم الذي يتحقّق (لو 1/67-79). هذا النشيد هو خلاصة كلّ العهد القديم. فيه ثلاثة أقسام:

       أ- بركة الشكر للربّ الذي يفتقد شعبه ويرسل إليه مخلّصًا وفاديًا من بيت داود كما نطق الأنبياء، وهو المسيح (68-71).

       ب- تحقيق الوعد لابراهيم بالنجاة من الأعداء، والعبادة لله بدون خوف، بالتقوى والبّر والعيش في ظلّ عنايته طول الأيّام (72-75).

       ج- رسالة يوحنّا ابنه التي من خلالها تتجلّى رحمة الله وثمارها (76-79).

       تحقّقت قمّة الوعد في يسوع المسيح بفيض «النعمة والحقيقة» (يو 1/71). أمّا نحن فنتجاوب بالحبّ والأمانة مع هذه النعمة والحقيقة. هذا هو العهد الجديد الأبديّ بالمسيح: إنّ الله أبٌ لنا، ونحن شعبه. ولذا علمنا السيّد المسيح أن نصلّي: «أبانا الذي في السموات..."(متّى 6/9-14).

       يرتكز الوعد على قاعدتين: أمانة الله وإيمان الانسان. بولس الرسول يشرح ذلك بلفظة آمين، أي  «نعم» أو «حقًّا»: " جميع مواعيد الله هي في المسيح نعم،  وقد تحقّقت والله أمين في وعده. وبالمسيح أيضًا نقول نحن لله: «أمين» اكرامًا لمجده، حقًّا نؤمن بما تقول (2 كور 1/20). وهكذا أصبحت لفظة آمين الآراميّة، المستعملة في الليتورجيّا، تعني في آن أمانة الله المتجلّية في يسوع المسيح الذي يسمّيه يوحنّا الرسول في الرؤيا «الآمين أو الشاهد الأمين الصادق، بدء خليقة الله» (رؤيا  3/14)، وإيمان الانسان بوعد الله وكلامه، وثباته في الرجاء والحبّ .

       أفعال الايمان والرجاء والمحبّة تؤكّد كلّ هذه الحقائق، وعليها ترتكّز حياتنا اليوميّة ونشاطنا وحالتنا.

 

       2. شخصيّة يوحنّا

 

       «ما عساه يكون هذا الطفل؟ ويد الربّ كانت معه» (لو 1/66)

       تتبيّن شخصيّة يوحنّا ورسالته من اسمه وألقابه: هو يوحنّا السابق، والمعمدان، وإيليّا الجديد، والأكثر من نبيّ.

 «يوحنّا» اسمه، كما أعلنه الملاك لزكريّا وأراده أبوه وأمّه. بالعبريّة يهِو- حنان أي الله رحوم. تجلّت رحمة الله عبر الوعود وتحقيقها واستمراريّتها. وتعني أمرين متلازمين، حسب اللفظتين العبريّتين في الكتاب المقدّس: الأوّل، أمانة الله لذاته (حِسِد) أي إنّ محبّة الله لشعبه وللانسان شديدة خارقة تتغلّب على الخطيئة والخيانة؛ الثانية، محبّة الله الفريدة المجّانيّة  (رحاميم). هذه اللفظة تعني في الأصل محبّة الأمّ (الرحم أو حشى الأمّ ) الناشئة عن الرباط الوثيق الأصيل الذي يشدّ الأمّ إلى طفلها. إنّها مشاعر الطيبة والحنان وطول الأناة والشفقة والمسارعة إلى الغفران (البابا يوحنّا بولس الثاني: في الرحمة الالهيّة، 4).

       وهو «السابق»، للدلالة أنّ يوحنّا يسبق المسيح، مخلّص العالم، فيعدّ له الطريق في القلوب والعقول: بالكرازة عن اقتراب الملكوت، داعيًا إلى التوبة والارتداد إلى الله بتغيير الذهنيّات، حسب اللفظة اليونانيّة «متانويا» (ثورة على الذات، تغيير استعدادات النفس: مِتا نوس)، وداعيًا إلى انتظار شخص آخر أقوى منه. وهو السابق ليسوع بشهادة الدم وقطع الرأس دفاعًا عن الحقيقة. وقد فسّر يوحنّا الرسول في مقدّمة إنجيله هذا اللقب بالقول: «كان رجل، مرسل من الله، اسمه يوحنّا. هذا جاء شاهدًا، ليشهد للنور، ليؤمن الجميع على يده. لم يكن هو النور، بل ليشهد للنور» (يو 1 /6-8).

         وهو «المعمدان»، وقد اعلن يوحنّا عن نفسه أنّه «يعمّد بالماء للتوبة. أمّا الذي يأتي بعده، وهو أقوى، فيعمّد بالروح القدس والنار» (متّى 3/11). معموديّة يوحنّا بالماء هي علامة رمزيّة فقط. أمّا معموديّة يسوع «بالروح القدس» فهي علامة تفعل التقديس بالنعمة الالهيّة. بهذه الممارسة كان يوحنّا يهيّء القلوب بالتوبة لقبول نعمة الروح القدس التي تقدّس وتبدّل وتشفي، وقد أفاضها المسيح من موته وقيامته.

       وهو «إيليّا الجديد»، الذي أنبأ عنه الملاك في بشارته لزكريّا أنّ ابنه الموعود «يسيرأمام الربّ بروح إيليّا وقوّته» (لو 1/71). وعنه قال يسوع: «هو إيليّا المنتظر رجوعه» (متّى 11/14). وعندما سأله التلاميذ، بعد نزولهم من الجبل حيث تجلّى أمامهم، «لماذا يقول الكتبة إنّه يجب أن يأتي إيليّا أوّلاً؟ أجابهم: إنّ إيليّا آتٍ وسيصلح كلّ شيء. ولكن أقول لكم إنّ إيليّا قد أتى، فلم يعرفوه، بل صنعوا به كلّ ما أرادوا. ففهم التلاميذ أنّه كلّمهم عن يوحنّا المعمدان» (متّى 17/10-13). تجلّت روح إيليّا في كلماته القاطعة كالنار وفي حياته القشفة كما يصفها متّى الانجيليّ (3/1-12). كان يوبّخ هيرودس الوالي علناً على اتّحاده القرابيّ والزنائيّ بهيروديّا ابنة أخته وامرأة أخيه. فرماه الوالي في السجن، ثمّ أمر بقطع رأسه بطلب من هيروديّا (مر 6/17-29).

       وهو «أكبر من نبيّ»، كما قال عنه الربّ يسوع (لو 7/26). سمّاه هكذا لأنّ بعض أوساط الدين  اليهوديّ في زمانه كانت تنتظرالنبيّ السابق الذي يأتي في يوم الربّ، في نهاية الأزمنة. لذلك كان بعض الكهنة واللاويين  يسألون  يوحنّا: «أأنت إيليّا ؟ أأنت النبيّ؟ من أنت فنحمل الجواب إلى الذين أرسلونا؟» (يو 1/21-22). ولمّا رأى الناس معجزة الخبز والسمكتين، قالوا عن يسوع: «حقًّا هذا هو النبيّ الآتي إلى العالم» (يو 6/14). وعندما سمعوا كلام يسوع في موضع آخر قالوا: «هذا هو النبيّ حقًّا». ‍‍‍ وقال غيرهم: «بل هو المسيح» (يو 7/40). إنّ يوحنّا شخصيّة فريدة، فهو آخر نبيّ وأوّل رسول. عنه قال يسوع «لم يولد في مواليد النساء مثل يوحنّا» (لو 7/28).

 

 

***

 

 

ثانيًا، الخطّة الراعويّة

 

       الأبناء عطيّة من الله لوالديهم. عطيّة البنين للأزواج هي من تجلّيات الرحمة الالهيّة، وبخاصّة للّذين حرموا ثمرة البنين لزمن بسبب العمر أو أي سبب آخر. الحياة البشريّة عطيّة نتلقّاها لكي نهبها بدورنا للمجتمع وللكنيسة، ثمّ نعطيها لله في نهاية العمر. الولد الذي هو ثمرة عطيّة الحبّ المتبادل بين الزوجين  يصبح بدوره عطيّة لكليّهما: «إنّه عطيّة تنبع من العطيّة» (البابا يوحنّا بولس الثاني: إنجيل الحياة، 92). هذا ما عبّر عنه الانجيليّ لوقا «سمع جيرانها وأنسباؤها أنّ الله أكثر رحمته لها، ففرحوا معها» (لو 1/58). يوحنّا صورة عن قدسيّة الحياة وقيمتها ورسالتها. المجمع البطريركيّ المارونيّ كشف ذلك في النصّ 10 بعنوان العائلة.

 

       إنّ الخطّة الراعويّة التي ترسم طريقنا إلى الاحتفال بميلاد الربّ يسوع تقتضي:

       أ- مساعدة الأزواج على أن يستحقّوا عطيّة الله في البنين، بحياتهم المستقيمة والبارّة أمام الله، مثل زكريّا وإليصابات. لقد التمسا من الله ولدًاً ليرفع عارهما من بين الناس (لو 1/25). لكن الربّ أعطاهما أكثر من ابن في شخص يوحنّا، «لأنّهما كانا بارّين أمام الله، تابعين جميع وصايا الربّ وأحكامه ، وسائرين من دون لوم» (لو 1/6). يعزّز الكهنة ومرشدو المنظّمات المعنيّة بالعائلة ومركز التحضير للزواج ومراكز الاصغاء راعويّة الزواج والعائلة بتحقيق توصيات المجمع البطريركيّ: تأسيس «جماعات عائليّة في الرعيّة» تؤمّن للأزواج والأبناء ظروفًا روحيّة وراعويّة لتنشيط حياتهم المسيحيّة والقيام برسالتهم؛ يعتمدون لهذه الغاية «الدليل» الذي وضعته اللجنة الأسقفيّة لشؤون العائلة في لبنان.

       ب- تربية العائلة لتكون «منبت» و «مشتل» الدعوات الثلاث في الحياة: الزواج، والكهنوت، والبتوليّة المكرسّة. دور الأهل أن يساعدوا أولادهم، بمثل حياتهم وتوجيهاتهم وتربيتهم، لكي يجعلوا من وجودهم عطيّة ذات من أجل خدمة الحبّ في إحدى هذه الدعوات، وأن يحترموا خيارهم الناضج ويدعموه بفرح. تدعو الخطّة الراعويّة الأزواج وكلّ المعنيين بشؤون الأسرة لتحقيق توصية المجمع البطريركيّ بتعزيز الصلاة في العائلة: اعتماد كتاب «صلاة العائلة» حسب السنة الطقسيّة، وقد رتّبته اللجنة الأسقفيّة لشؤون العائلة؛ ومبادرات أخرى للصلاة في العائلة. في جوّ الصلاة نسمع نداء الله، وبالصلاة نستمدّ القوّة والنعمة للثبات في الدعوة والأمانة لها وسط المحن ورتابة الحياة.

       في مولد يوحنّا المعمدان، نعتبر مع الكنيسة أنّ «الأولاد ربيع العائلة والمجتمع» (البابا يوحنّا بولس الثاني في لقائه العالميّ مع العائلات سنة 2000). فكما من دون أزهار الربيع لا ثمار لمواسم الصيف، كذلك من دون الأولاد لا مستقبل للأسرة والمجتمع.

 

       صلاة

       نُشيد بك أيّها الرسول السابق المعمّد قائلين: يا ولدًا بشّر بمولده ملاك من لدن الله، يا صوتًا صارخًا في البريّة، ونبيًّا علم بسرّ سيّده وهو في الحشا. يا عهدًا توسّط العهدين، فختم عهد الناموس وبدأ البشارة الجديدة. أيّها العظيم في مواليد النساء الذي جاء يخبر بالعظيم العليّ. أيّها البشير الذي ولد من عاقر ليشهد للابن الذي ولد من بتول. أيّها الطفل المقدّس، ابن كاهن الربّ. يا عنوان رحمة الله ورسول ملك السلام. يا كوكبًا يدلّ على النور الحقيقيّ الآتي إلى العالم. يا قمرًا يدور حول الشمس الأزليّة. يا ملاك الربّ ومصباح الكنائس والأديرة.

نسألك أن تستمدّ لنا من الله نعمته الفعّالة، لتزدان نفوسنا بالأعمال الصالحة ونشهد للايمان الحقّ. آمين.

 

****

                                                                    



البيان ليوسف

متّى 1/18-25

كرامة الأسرة والحياة المكرّسة

 

       البيان ليوسف، عن حقيقة حبل مريم البتوليّ بقوّة الروح القدس، وعن قيام زواجه الدائم من مريم، هو البشارة التي بلّغه إيّاها ملاك الربّ عن أبوّته الشرعيّة ليسوع، وائتمانه على الكنزين مريم ويسوع، بالعناية الزوجيّة والوالديّة بهما. وهكذا تمَّ افتداء العائلة التي شوّهتها خطيئة آدم وحواء، وافتداء الحبّ باستعادة طهارته وقدسيّته، وافتداء عقد الزواج برفعه إلى رتبة سرّ من أسرار الخلاص السبعة. وبما أنّ يسوع التاريخيّ أصبح، بعد موته وقيامته وإرسال روحه القدّوس، المسيح السريّ أي الكنيسة، صار يوسف أبوه وحاميه شفيعًا للكنيسة الجامعة، كما أعلنه البابا الطوباويّ بيّوس التاسع في 8 كانون الأوّل 1870، ومثالاً، مع مريم، للمكرّسين والمكرّسات في الرهبانيّات وفي العالم.

 

أوّلاً، مضمون النصّ الانجيليّ

      

1.  البيان البشارة ليوسف

 

       «عزم أن يطلّقها سرًّا.... فتراءى له ملاك الربّ في الحلم» (متّى 1/19-20).

       احتار يوسف أمام حبل مريم خطّيبته، وهي زوجته الشرعيّة، التي لم تنتقل بعد لمساكنته حسب الشريعة اليهوديّة. ولأنّه «صدّيق» (بارّ)، يخاف الله ويحترم الانسان، صدّق في قرارة نفسه أنّ سرًّا خفيًّا يحصل في حبل مريم البتوليّ، وأعتبر أنْ لا دور له في ما يخطّط الله بواسطة مريم، إذ إنّ البشارة من الملاك جبرائيل كانت لها وحدها. ففكّر بأن ينسحب من هذا الأمر بمنتهى التواضع وإخلاء الذات، من دون أيّ حقّ مكتسب في تخطيط الله، وبالتالي يتخلّى عن حقّه في مريم زوجته. ولأنّه «صدّيق»، أملت عليه برارته قرارًا مشرِّفًا في تلك الليلة: أن يلفّ بالصمت السرّ الالهيّ الخفيّ، ويحافظ على كرامة مريم فلا يشهر أمرها بالحصول على كتاب طلاق من السلطة، ويكل إلى عناية الله الطفل الذي سيولد، ويقرّر تطليقها سرًّا.

       في تلك الليلة ظهر الله له في الحلم، كاشفًا حقيقة السرّ الخفيّ، هذا الحبل البتوليّ بقوّة الروح القدس. وأكدّ له أنّ مريم تظلّ امرأته وهو زوجها من دون أيّ تراجع: «لا تخف أن تأتي بامرأتك مريم إلى بيتك». وبشّره أنّ المولود منها هو ابنه، ولو من غير زرعه، لأنّ مريم أمّه هي زوجته. فأبّوة يوسف ليسوع لها أساسها القانونيّ في زواجه من مريم، ما جعل دوره أن يؤمّن ليسوع الحماية الوالديّة، فقامت علاقة بينه وبين المسيح تقرّبه منه، مع ما في هذا القرب من اختيار إلهيّ لتحقيق تصميم الله الخلاصيّ في الانسان وفي التاريخ (أنظر روم  8/28-29)، وهي علاقة تمرّ عبر الزواج بمريم. وأمره أن يعطي للمولود اسم «يسوع» وهو ليس من زرعه بل من الروح القدس، ليؤكّد له سلطته الوالديّة عليه. ولهذا دعاه الانجيليّون «زوج» مريم، ودعوا مريم «زوجته»، وهي أيضًا سمّته «أبا» يسوع (لو 2/48). والاثنان دعيا «والدي يسوع» لا بالزرع بل بالروح. يقول القدّيس اغسطينوس: تحقّقت في زواجهما خيور الزواج الثلاثة: الانجاب والأمانة الزوجيّة والسرّ في الرباط الزوجيّ الدائم.

 

2.  تجديد الزواج وتقديسه

 

        على عتبة العهد القديم كان زوجان، آدم وحوّاء. لكنّ زواجهما جلب الخطيئة والموت للعالم، وجُرح الحبّ الذي يجعل الانسان على صورة الله. وفي بداية العهد الجديد كان زواج يوسف ومريم الذي أفاض النعمة على الجنس البشريّ. ذلك أنّ الله، في ذروة تاريخ الخلاص، كشف حبّه للبشر بعطيّة ابنه الوحيد، الكلمة المتجسّد، من خلال زواج يوسف ومريم القائم على الاتّحاد البتوليّ المقدّس، وبالابن جدّد كلّ شيء. فتجدّد الزواج وتقدّس ليصبح سرّ العهد الجديد، وتطهّر الحبّ ليصير عطيّة ذات ويتجلّى في اتّحاد النفوس والقلوب بين الزوجين، قبل أن يكتمل باتّحادهما الجسديّ، وتقدّست العائلة لتكون «هيكل الحبّ ومهد الحياة» (حارس الفادي ،7). وهكذا كانت العائلة المقدّسة في الناصرة «أوّل كنيسة بيتيّة» ونموذجًا لكلّ عائلة مسيحيّة (وظائف العائلة المسيحيّة، 49).

       أصبح عقد الزواج في المسيحيّة، مع عائلة الناصرة، عهدًا وسرًّا.

       هو عقد قوامه الرضى الشخصيّ، الواعي والحرّ، يتبادله الزوجان، فينشأ عنه رباط زوجيّ دائم واستئثاريّ، يقتضي أمانة الزوجين لهذا الرّضى وتبادل الذات بينهما حتّى الموت.

       وهو عهد على صورة العهد الذي أبرمه الله مع البشريّة وختمه بدم ابنه فادي البشر، وشبّهه بالعرس. تنشأ من هذا العهد شركة حياة. إنّه «عهد حبّ وحياة» مثلّث الاتّجاهات: عهد مع الله ينبع منه ويقود إليه، وعهد بين الزوجين يهدف إلى سعادتهما وخيرهما الشخصيّ وخير الأولاد وسعادتهم، وعهد مع التاريخ يواصل نقل الحياة البشريّة وسلالة الأسرة.

وهو سرّ أيّ وسيلة لحضور الله الثالوث في حياة الزوجين وعلامته: يجعلهما بالنعمة «جسدًا واحدًا»، ويقدّسهما في حياتهما الزوجيّة والعائليّة، وينقي حبّهما، ويوطّد وحدتهما، ويثبّتهما في العقد والعهد، عبر ظروف الحياة الحلوة والمرّة.

 

       3. بتوليّة الأبّوة والأمومة ورسالة الفداء

       «ستلد ابنًا فسمّه يسوع، لأنّه هو الذي يخلّص شعبه من خطاياهم» (متّى 1/21).

       في البشارة لمريم كانت دعوتها لأمومة ابن الله المتجسّد، فتحقّقت بقوّة الروح القدس، لمّا أجابت «أنا أمّة الربّ». وفي البشارة ليوسف كانت دعوته للأبوّة، فتحقّقت لمّا «فعل كما أمره ملاك الربّ، فأتى بامرأته إلى بيته، ولم يعرفها». فكانت أبّوته بتوليّة مثل أمومة مريم. ومعًا تكرّسا في البتوليّة لخدمة ابنهما وعمله الخلاصيّ.

       خدم يوسف مباشرة، بممارسة أبّوته، شخص يسوع ورسالته. فكما يعاون في تجسّده، يعاون أيضًا في سرّ الفداء؛ ولهذا يسمّيه القدّيس يوحنّا فم الذهب «خادم الخلاص». فقد جعل من حياته خدمة وتضحية في سبيل سرّ التجسّد ورسالة الفداء؛ وحوّل دعوته للحبّ الزوجيّ والعائليّ إلى تقدمة الذات الفائقة الطبيعة؛ وقدّم قلبه وكلّ إمكانيّاته لمحبّة المسيح (أنظر حارس الفادي، 8).

 وبما أنّ التجسّد والفداء يشكّلان وحدة عضويّة لا تنفصم، فيوسف مثل مريم شريك الفداء، ولو أنّه لم يقف مثلها على أقدام الصليب. ولهذا السبب قرّر البابا الطوباويّ يوحنّا الثالث والعشرون أن يضاف في نافور القدّاس الرومانيّ اسم القدّيس يوسف بعد الكليّة القداسة مريم العذراء، قبل الرسل والأحبار الرومانيين القدّيسين والشهداء.

       على مثال يوسف ومريم، سيكرّس يسوع الابن كلّ ذاته للآب ولرسالة الفداء، فعاش مثلهما بتولاً وفقيرًا، «ليس له مكان يسند إليه رأسه» (متّى 8/20)، ومطيعًا حتّى الموت على الصليب (فليبيّ 2/8) ليفتدي البشر ويقدّسهم. وهكذا، منذ بداية الكنيسة، ما زال يعتنق رجال ونساء نهج السيّد المسيح البتول والفقير والمطيع، سواء في العالم أم في الحياة الرهبانيّة، ويكرّسون ذواتهم لله، بدافع من الحبّ الذي أفاضه الروح القدس في قلوبهم (روم 5/5)، ويحيون أكثر فأكثر للمسيح الربّ ولجسده السريّ الذي هو الكنيسة (كولسي 1/24؛ القرار المجمعيّ في المحبّة الكاملة، 1). إنّهم يعيشون الأبّوة والأمومة الروحيّة تجاه الكنيسة ورسالتها، نظير يوسف ومريم تجاه يسوع التاريخيّ ورسالة الفداء.

       إنّ المكرّسين والمكرّسات، سواء في العالم أم في الحياة الرهبانيّة أوالكهنوت، هم الذين اختارهم الآب بحبّه لرسالة خاصّة، ودعاهم الابن، الطريق الوحيد إلى الآب، للسير في اتّباعه حيث يذهب، والعيش معه والتخلّي عن كلّ شيء في سبيله، بالالتزام الكامل، وكرّسهم الروح القدس، مصوّرًا إيّاهم على صورة المسيح البتول والفقير والمطيع، ودافعًا بهم إلى تبنّي رسالته الخلاصيّة، وإلى مواصلة حضوره في التاريخ حضورًا مميّزًاً. لقد لبّوا الدعوة، مثل يوسف ومريم، ووقفوا ذواتهم كاملة على الله وعلى تصميم الخلاص: بالبتوليّة المكرّسة يهبون ذاتهم لله بقلب غير متجزّىء، بحبّ يعكس حبّ الله الثالوثيّ، ويدفعهم إلى حبّ شامل لله وللناس. بالفقر الانجيليّ يتخلّون عن ثروة الأرض ليغتنوا بالله وحده، ويخصّصون لرسالة الكلمة والنعمة والمحبّة ما عندهم وما تجني ايديهم وما يُقدّم لهم، ويعتنون عناية خاصّة بالفقراء، ويعيشون بروح الفقر والأمانة اقتداءً بالمسيح؛ بالطاعة يواصلون طاعة المسيح لارادة الآب وتصميم الخلاص، ويظهرون جمال الانتماء البنويّ للآب، الذي يحرّر من كلّ عبوديّة ويغني بروح المسؤوليّة (الحياة المكرّسة 17-21).

 

***

 

ثانيًا، الخطّة الراعويّة

 

كما تعهّد القدّيس يوسف حراسة العائلة المقدّسة ودافع عنها، هكذا يحمي من السماء كنيسة المسيح، وسط المضايق، في التزامها بإعلان إنجيل الخلاص؛ إنّه مثال ساطع للمؤمنين في الفضائل: فهو «أطهر الناس في بتوليّته، وأعمقهم في تواضعه، وأشدّهم في حبّه لله وللناس، وأرفعهم في الحياة التأمّليّة» (القدّيس برنردين السيانيّ)؛ وهو قدوة في سماع كلام الله والاستعداد المطلق لخدمة إرادته الخلاصيّة، وفي التنفيذ الأمين لأوامر الله؛ ويسطع في حياته اتحاد الفعل الالهيّ والفعل البشريّ في تصميم الفداء.

ولئن كان الفعل الالهيّ كافيًا بحدّ ذاته، فان مؤآزرة الفعل البشريّ تبقى، على ضعتها، ضروريّة ومشرقة.

تتّخذ الخطّة الراعويّة القدّيس يوسف مثالاً للحياة المسيحيّة والزوجيّة والمكرّسة، يوصي الارشاد الرسوليّ «رجاء جديد للبنان» بالأمانة المزدوجة: للمسيح والكنيسة (عدد 53)، وإعلان أولويّة الله المطلقة على الواقعات البشريّة (عدد 52). هذه التوصية نفسها يكرّرها المجمع البطريركيّ المارونيّ في النصوص المتعلّقة بتجدّد حياة الأشخاص: البطاركة والأساقفة، الكهنة، الرهبان والراهبات، العلمانيين، الأزواج والوالدين، الشبيبة (النصوص 6-11).

وتتناول الخطّة الراعويّة بعدين: الأوّل، تجديد الحياة الشخصيّة على قاعدة الأمانة المزدوجة انطلاقًا من الحالة الخاصّة في ضوء مضمون البيان ليوسف؛ الثاني، شهادة الحياة الفرديّة والجماعيّة بمواقف ومبادرات حياتيّة، يلتزم بها الأفراد والجماعة.

لا بدّ، لبلوغ هذا الهدف، من وقفة وجدانيّة على مستوى الرعيّة والعائلة والجماعة الرهبانيّة والمؤسّسة والمنظّمة الرسوليّة وحركة الشبيبة وسواها، يصغون بالتأمّل والصلاة إلى نصّ البيان ليوسف، ويسلّطون أنواره على حياتهم الشخصيّة، ويتبادلون الأفكار والخبرات، ويتّخذون المقاصد الحياتيّة، ويجدّدون الالتزام بالأمانة.

 

صلاة

إلى الله تسكن نفسي                    ومنه خلاصي.

صخرتي هو وخلاصي                 ملجأي فلا أتزعزع

الى الله أسكني يا نفسي                 فإنّ منه رجائي

صخرتي هو وخلاصي                 ملجأ فلا أتزعزع

عند الله خلاصي ومجدي               وفي الله صخرة عزّي ومعتصمي

توكّلوا عليه في كلّ حين أيّها الشعب   أسكبوا أمامه قلوبكم، إنّ الله معتصم لنا

المجد للآب والابن والروح القدس     من الآن وإلى أبد الآبدين آمين. (مز 61).  

 

****

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نسب يسوع

إنجيل القدّيس متّى 1/1-17

المسيح مشتهى الأجيال وكاشف سرّ الانسان

 

       يسوع ابن الله أصبح ابن الانسان بالمشاركة والتضامن مع البشريّة جمعاء من أجل فداء جميع الناس وخلاصهم. انكشف لنا سرّ المسيح الأزليّ في البشارة لمريم والبيان ليوسف أنّه ابن الله؛ أمّا اليوم فينكشف لنا سرّه التاريخيّ أنّه ابن الانسان المتحدّر من السلالة البشريّة. في هذا ينجلي لنا معه سرُّ الانسان، هذا شخص حرّ الذي يريده الله لدعوة خاصّة في تاريخ الخلاص.

 

أوّلاً، شرح نصّ الانجيل

 

1. نسب يسوع

افتتح القدّيس متّى إنجيله بنسب يسوع للاعلان أنّه هو المسيح المنتظر، الذي يحقّق وعد الخلاص، وفقًا لنبوءات العهد القديم. ولهذا قال: «كتاب تكوين يسوع المسيح ابن داود (المسيح المنتظر)، ابن ابراهيم»   (محقّق وعد الخلاص). وأراد أن يكشف أنّ هذا ابن الله هو أيضًا إنسان بطبيعته البشريّة،  بل هو موسى الجديد والمعلّم الأوحد للشريعة. إنّه عمّانوئيل، «إلهنا معنا» (متّى 1/23)، الذي «يبقى معنا طول الأيّام إالى انتهاء العالم» (متّى 28/20). يتمثّل متّى الانجيليّ بوجه الانسان، كما ظهر ليوحنّا في رؤياه، فيما يتمثّل وجه مرقس بالأسد لأنّه يبدأ إنجيله بنداء يوحنّا المعمدان: «صوت صارخ: في البريّة: أعدّوا طريق الربّ» (مر 1/3)، ولوقا بالعجل لأنّه يبدأ إنجيله «بميلاد يسوع في مذود» (لو 2/7)، ويوحنّا بالنسر الطائر لأنّه حلّق في سماء الكلمة: «في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، والكلمة هو الله» (يو 1/1؛أنظر رؤيا 4/2-3،6-7).

نجد في الانجيل نسبين ليسوع: الأوّل انحداريّ من ابراهيم إلى يوسف رجل مريم التي منها ولد يسوع الذي يدعى المسيح (متّى 1/16)، والثاني تصاعديّ من يوسف إلى آدم الذي هو من الله (لو 3/23- 38). متّى قصد التأكيد أنّ يسوع هو المسيح المنتظر من سلالة داود، ومحقّق مواعيد الله الخلاصيّة لابراهيم، كما أعلن الآباء والأنبياء، منذ القديم، واختصرها بولس الرسول بالقول: «من بولس، عبد المسيح يسوع، الذي دُعي ليكون رسولاً لانجيل الله الذي وَعَدَ به من قبل، بأنبيائه في الكتب المقدّسة، في شأن ابنه الذي وُلد بحسب الجسد من نسل داود، وجُعل بحسب روح القداسة ابن الله بقوّة، أي بالقيامة من بين الأموات، وهو يسوع المسيح ربنا» (روم 1/3-4).

أمّا لوقا، الذي يكمّل رؤية متّى، فيبيّن أنّ يسوع هو آدم الجديد، وأبو كلّ البشريّة المفتداة، ومخلّص جميع البشر، من أيّ عرق ودين ولون. ويتفرّد لوقا (2/1-7) بالحديث عن تسجيل يسوع مع أبيه وأمّه، في الاحصاء الذي اضطرّ يوسف ومريم  الحبلى بيسوع  على السفر من الناصرة إلى مدينة داود للاكتتاب، وفي هذه الأثناء ولد الطفل في بيت لحم وسجّل في أسرة يوسف ومريم: «يسوع بن يوسف الذي من الناصرة» (يو 1/45). هذا يعلن بوضوح انتماء يسوع إلى الجنس البشريّ، إنسانًا بين الناس، من سكّان هذا العالم، خاضعًا للشريعة وللمؤسّسات المدنيّة، ولكن مخّلصًا للعالم أيضًا. «وهذا الذي اكتتب في الاحصاء المسكونيّ مع البشريّة جمعاء، إنّما أراد أن يُحصي الناس اجمعين معه في سفر الأحياء، ويسجّل في السموات مع القدّيسين كلّ الذين يؤمنون به، له المجد والقدرة إلى الدهور، آمين» (أوريجانس، عظة 11 في القدّيس لوقا؛ أنظر البابا يوحنّا بولس الثاني: حارس الفادي، 9).

إنّ نسب يسوع مشاركة وتضامن مع البشريّة بأسرها:

أ- مشاركة في البركات والوعود الالهيّة التي تحقّقت في يسوع المسيح «ابن داود وابراهيم وآدم». ما يجعل كلّ مولود في سلالة البشر«يرث» هذه البركات والوعود الالهيّة الممنوحة للأجداد، (معجم اللاهوت الكتابيّ، لفظة «نسل»، صفحة 904).

ب- تضامن حرّ مع كلّ إنسان: «شاركنا في كلّ شيء ما عدا الخطيئة» (عبرانيين 4/15). يتضامن الربّ يسوع في الواقع الانسانيّ لكي يرفع كلّ إنسان الى البنوّة لله. سيقول القدّيس أمبروسيوس: «تأنّس الله، ليؤلّه الانسان». وهكذا يجعل أولئك المنتمين إلى جيل أدم أبي البشريّة، وابراهيم أبي المؤمنين، جيلاً مختارًا    ( 1بطرس 2/9)، جيل المولودين من الله (يو 1/12-13)، بالولادة الثانية من الماء والروح (يو 3/5؛ المرجع نفسه).

أمّا مجموعة الأجيال الثلاثة فترمز إلى مسيرة شعب الله نحو المسيح، الذي هو محور البشريّة والتاريخ. المجموعة الأولى من ابراهيم إلى داود هي مسيرة الايمان من ابراهيم حتّى تنظيم الملوكيّة مع داود؛ المجموعة الثانية من داود إلى سبي بابل رمز الخطيئة فالتهجير مع بيتشابع زوجة أوريا، التي بعد أن ضاجعها داود وحبلت منه قتل زوجها (2 صموئيل 11)، فوبّخ الربّ داود على خطيئته بلسان ناتان (الفصل 12)؛ المجموعة الثالثة من سبي بابل إلى المسيح رمز وعد الله الذي ما زال قائمًا، لأنّ الله صادق في الوعد وأمانته إلى الأبد، حتّى تحقّق الوعد في المسيح.

 

3.  سرّ الانسان

 

في رسالته إلى العائلات (2 شباط 1994)، يتحدّث البابا يوحنّا بولس الثاني عن «نسب الشخص البشريّ» (الفقرة 9)، فيؤكّد «أنّ نسب الشخص مكتوب في بيولوجيّة النسل». علّق على هذا القول الكردينال أنجلو سكولا، عندما كان رئيسًا لجامعة اللاتران الحبريّة، في مناسبة المؤتمر الدوليّ ولقاء البابا مع العائلات في روما (تشرين الأوّل 2000)، بالمداخلة التي ألقاها بعنوان: «نسب شخص الابن» (أنظر أعمال المؤتمر، صفحة 93-104). وذلك عبر خمس مراحل، يتبيّن من خلالها سرّ الانسان والعائلة.

الولد، في الأصل، هو ثمرة العطاء الذي يتبادل به الرجل والمرأة ذاتيهما بالحبّ والشركة الزوجيّة. فنعتمد  لفظة «زفاف- noces»، لأنّها تفترض اختلاف الجنس: ذكر وأنثى- رجل وامرأة، يرتبطان بعهد الحبّ الزوجيّ المعبّر عنه بتبادل الذات كاملة روحًا وجسدًاً. هذا الحبّ ينبع من شركة الثالوث الالهيّ القدّوس.

       لكنّ المولود من هبة ذات  الوالدين هو هبة من الله. لفظة «إنجاب»،  pro-creatio  في اللاتينيّة تعني تواصل الخلق ( pro تعني الاشارة إلى ما هو الأصل). ولفظة المنجب pro-creatior تعني المشارك مع الذي يجري في الأساس عمليّة الخلق، وهو الله. وهكذا يكون الوالدان «شاهدين»، من خلال الانجاب، للخالق وللخلق. في الواقع، لفظة إنجاب في اللغة الألمانيّة  Zeugungمشتقّة من أصل لفظة «شهادة» – Zeugnis. وسيشهد بولس الرسول باسم كلّ الوالدين بالقول: «إنّي أجثو على ركبتيّ لأبي ربّنا يسوع المسيح، الذي منه كلّ أبّوة في السماء والأرض تأخذ اسمًا» (أفسس 3/14-15). «إنّ الله حاضر في كلّ أبّوة وأمومة، لأنّه هو الذي يعطي كلّ مولود  «صورته» و« شبهه» الخاصّين بالكائن البشريّ وحده. «فالانجاب هو تواصل الخلق» (رسالة إلى العائلات، 9).

       هذا المولود من والدين بشريين حاملاً صورة الله، هو شخص بشريّ جديد. ليس مجرّد فرد مستنسخ من نوعه، كما يجري في سائر مخلوقات الأرض من حيوان ونبات، بل «هو إنسان جديد يحمل معه إلى العالم صورة الله نفسه وشبهًا خاصًّا بالله» (المرجع نفسه). هذا يعني أنّ في فعل الحبّ الزوجيّ يتمّ اللقاء بين الأبديّ  والزمن، بين الله الذي ينفخ روحًا من روحه والزوجين اللذين يتبادلان هبة الذات كاملة، وكأنّ الحبّ الزوجيّ هو «الهيكل حيث يحتفل الله بسرّ الحبّ الذي يخلق» (المطران Caffarra: مفاتيح قراءة رسالة البابا يوحنّا بولس الثاني إلى العائلات). ليس الوالدون أسياد الحياة وأسياد أولادهم، بل الله وحده «سيّد الحياة» (أعمال 3/15). وقبل أن يكونوا والدين كانوا مولودين. ولهذا لا يحقّ لهم اللجوء إلى وسائل منع الحمل الاصطناعيّة، ولا إلى الاجهاض، الذي هو جريمة قتل مثل سائر الحبوب الاجهاضيّة (ق 1450 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة)، والحلّ من هذه الخطيئة الجسيمة محفوظ لمطران الأبرشيّة (ق  728 بند 2)؛ ولا إلى استنساخ الأجنّة. هذا المنع إنّما هو لحماية الحياة وكرامة الأبّوة والأمومة.

       إنّ الولد المولود حاملاً صورة الله، هو حدث حريّة، بمعنى «أنّ الله يريده لذاته» (التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة،1730)، فيدعوه إلى تحقيق ذاته بكاملها. وإذ يخلقه يزيّنه بالحريّةً ليبلغ إللى الاتّحاد به. تتميّز الأبّوة والأمومة بحريّة مثلّثة: الرغبة التي تعطي بداية وجود للولد، والتربية التي تساعد على أن يحسن خياراته في الحياة، والتوجيه الذي يبلغ بالولد إلى مصيره الأخير، اللقاء  بالله، من خلال السهر والمثال الحيّ.

وأخيرًا الشخص المولود يتخطّى والديه، لأنّ ولادته مرتبطة بارادة الله، من دون إهمال المعطى البيولوجيّ للانطلاقه، الكامن في الفعل الزوجيّ. وبهذه الصفة يسهم في بناء حضارة جديدة، هي حضارة المحبّة والحريّة والاخوّة الشاملة. هذه القرابة الروحيّة والثقافيّة التي تتخطّى قرابة اللحم والدم هي شركة الأشخاص.

 

***

 

ثانيًا، الخطّة الراعويّة

 

إنجيل نسب يسوع إلى العائلة البشريّة، عبر أجيالها، دليل على أنّ المسيح افتداها كلّها، وهي تعلن رحمة الله من جيل إلى جيل. ويظلّ يسوع المسيح «مشتهى كلّ الأمم» (القدّيس أغسطينوس)، تهتف إليه مع الكنيسة: «ذابت نفسي شوقًا إلى خلاصك، فرجوت كلمتك» (مز 119/81). الكنيسة الشاهدة للمسيح تسير مع عمّانوئيل، الله معنا، بين مجيئه الأوّل في ملء الزمن، ومجيئه الثاني في نهاية الأزمنة، على أنّه «آت على عجل» (رؤيا 22/20).

المجمع البطريركيّ المارونيّ يذكّرنا بالتراث الأنطاكيّ الذي تحمله الكنيسة المارونيّة، وهو مشترك مع الكنائس الأنطاكيّة الأخرى. في أنطاكيّة انفتحت الكنيسة على الأمم، فأضحت «بنت الشعوب» تعيش الوحدة في الايمان والشركة ضمن أطر التعدّديّة التي وسمت شعوب المنطقة من خلال تنوّع الحضارات والثقافات واللغات (أنظر النص 2: هويّة الكنيسة المارونيّة ودعوتها ورسالتها).

الخطّة الراعويّة تنطلق وتنتهي بيسوع المسيح، الألف والياء، ونقطة الدائرة في تاريخ البشر الخلاصيّ، كما بيّن إنجيل نسبه الانحداريّ  والتصاعديّ. إنّه قاعدة الوحدة في التنوّع.

أ- في هذا الأسبوع السابق لميلاد الربّ يسوع، بعد مسيرة الاستعداد، المعروفة بزمن المجيء، يلتقي أبناء الرعيّة وبناتها، وأفراد العائلة، وأعضاء الجماعات الديريّة والمؤسّسات والمنظّمات الرسوليّة وسواها، للتعمّق في ميزة الكنيسة على أنّها «وحدة في التنوّع» على مستويات ثلاثة: في إطار الكنيسة الكاثوليكيّة، وضمن العلاقات مع الكنائس الأخرى، وفي العيش المشترك مع المسلمين. الارشاد الرسوليّ «رجاء جديد للبنان» يرسم خطوط هذه «الوحدة في التنوّع» (عدد 8-14). إنّه لقاء تعمّق في المبادىء، وتقييم للواقع، ورسم خطّة حياتيّة للمستقبل نلتزم بها.

ب- يوصي المجمع البطريركيّ باستعادة التراث الأنطاكيّ القائم على الوحدة في التنوّع، في أبعاده اللاهوتيّة والروحيّة والليتورجيّة. يحتاج مجتمعنا وتحتاج رعايانا وطوائفنا إلى وعي هذا التراث وترجمته في حياتنا اليوميّة الاجتماعيّة والكنسيّة والوطنيّة، لنعيش جمال الشركة بين الأشخاص المتنوّعين ثقافة ورؤية وتطلّعات، ونبني وحدة الجسم المتناغمة أعضاؤه في توظيف المواهب والقدرات والمهارات لتوفير الخير العام، الذي هو «مجموعة الأوضاع الاجتماعيّة التي تمكّن المجموعات وكلّ واحد من أعضائها من بلوغ كامل حقوقهم والواجبات» (الكنيسة في عالم اليوم، 26).

ج- النصّ الأوّل من نصوص المجمع البطريركيّ المارونيّ يحمل عنوان «كنيسة الرجاء»، ويوصي بتجديد رجائنا الذي هو المسيح، كما تبرّره لنا صلواتنا الليتورجيّة. تستعرض جماعاتنا الراعويّة علامات الرجاء في كلّ من الرعيّة والأسرة والمنظّمة والمؤسّسة وأيّ جماعة ومجموعة أخرى، لتتجاوز محن الحاضر وصعوباته بفرح الرجاء. ذكّرنا السينودس من أجل لبنان أنّ الرجاء التزام: «فالمسيح رجاؤنا، بروحه نتجدّد، ومعًا لمحبّته نشهد».

 

صلاة

بميلادك يا ربّ، حلّ السلام على الأرض وصار الرجاء لبني البشر الذين كانوا في القديم غرباء أجانب، صاروا اليوم أبناء الميراث وبني بيت الله. في ذلك اليوم، كانت الأرض تستعدّ. واليوم، نستعدّ نحن لنحتفل بذكرى مولدك ونقدّم الهدايا والقرابين. في ذلك اليوم تاق الأنبياء إلى رؤيتك، وتنبأوا عن ميلادك. واليوم، يفرح الأبرار ويبتهجون: فقد تحقّقت بميلادك النبوءات وتمّ الخلاص، وانتشر الرسل في العالم يبشّرون بك، وقام الشهداء يبذلون حياتهم في سبيلك. لك المجد إلى الأبد، آمين.

 

 

*****

 

 

 

 

 

 

 

ميلاد الربّ يسوع

إنجيل القدّيس لوقا 2/1-20

روحانيّة التجسّد

 

بميلاد ابن الله إنسانًا، عاد إلى كلّ إنسان بهاء إنسانيّته، ومنح الله العالم هبة السلام، وأعطى معنى للحياة البشريّة وللوجود التاريخيّ. هذا ما أنشده الملائكة ليلة الميلاد: «المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام، والرجاء الصالح لبني البشر» (لو 2/14).

 

أوّلاً، لوحة الميلاد

 

1.  الاطار التاريخيّ

 

«صدر أمر من أغوسطس قيصر لتُكتتب شعوب المسكونة كلّها» (لو 1/1).

الاحصاء المسكونيّ يشكّل الاطار التاريخيّ للميلاد الذي يحدّد زمان هذا الحدث المحوريّ لتاريخ الخلاص، ويتّخذ منه معناه وأبعاده في التصميم الالهيّ.

فتاريخيًّا عرفنا أنّ ميلاد ابن الله إنسانًا حدث في بيت لحم، أثناء ولاية الامبراطور أغوسطس قيصر على المملكة الرومانيّة، وقوريناوس على المنطقة الجغرافيّة في المملكة، المعروفة بسوريا، ومن ضمنها    فلسطين، وفي مناسبة الاحصاء المسكونيّ.

ولاهوتيًّا ندرك أنّ التاريخ البشريّ، وما فيه من أحداث، هو في خدمة تصميم الله الخلاصيّ، بحيث يتحقّق تصميم الخلاص، المكتوم في الله منذ الأزل، في أزمنة محدّدة. هذا يعني أنّ يد الله العليا والخفيّة هي التي تقود تاريخ البشر. ونفهم أيضّا أنّ ابن الله الأزليّ يلج تاريخ البشريّة، عبر إحصاء مسكونيّ يتسجّل فيه إنسانّا مولودّا في عائلة من الناصرة مقدّسة، لكي يفتدي البشريّة جمعاء، ويسجّل أسماء المؤمنين المخلَّصين به في «سجلّ الحياة الأبديّة».

 

2.  حدث الميلاد

 

«وهما هناك، تمّت أيّام مريم لتلد، فولدت ابنها البكر، ووضعته في مذود» (لو 2/6-7).

مكان ميلاد ابن الله، بالطبيعة البشريّة، بيت لحم مدينة داود، لأنّه المسيح الذي ينتمي إلى سلالة داود الملوكيّة، من جهة يوسف ومريم المنتمين إليها، ومن جهته هو بوصفه الملك الموعود والمنتظر الذي «يجلس على عرش داود أبيه، ويملك إلى الأبد، ولا يكون لملكه انقضاء» (لو 1/32-33).

المكان مذود بيت لحم رمز الفقر والتواضع، بالنسبة إلى أورشليم، مدينة داود هي أيضًا، حيث مجد ملكه، ورمز الغنى والقوّة. يولد في بيت لحم الوادعة فقيرًا، ويُصلب في أورشليم المتكبّرة ليغنيها بالفداء والخلاص. هذه علامة أنّ سرّ المسيح لا يُقبل إلاّ في القلوب المتواضعة، الفقيرة إلى الله وقيم الملكوت، وأنّه يفتدي كلّ غنى ومجد وسلطة.

       المكان بيت لحم، لا الناصرة بلدة يوسف ومريم، من حيث أتيا ليتسجّلا في الاحصاء، وسلكا مسافة 150 كلم تقريبًا، مشيًا على مدى أربعة أو خمسة أيّام. إنّه دليل على أنّ هذا الذي لم يولد في بلدته وبيته، ليس من هذا العالم، ويريدنا ألاّ نكون من هذا العالم، التائه في شرّه وخطيئته، كما سيقول عن نفسه وعنّا في صلاته الكهنوتيّة الأخيرة: «أنا لا اصلّي لتخرجهم من العالم، بل لتحفظهم من الشرّير، لأنّهم ليسوا من العالم، كما أنّي أنا لست من العالم. أيّها الآب، قدّسهم بحقّك، فإنّ كلمتك هي الحقّ» (يو 17/15-17).

       وهذا دليل أيضًا أنّ مملكته التي يتسلّم زمامها، مولودًا في مدينة داود الملك أبيه بالنسب، ليست من هذا العالم، كما سيقول لبيلاطس ردًّا على سؤاله أثناء المحاكمة: «أنت ملك اليهود؟ - إنّ مملكتي ليست من هذا العالم» (يو 18/33-36). مملكته، التي يبدأها في بيت لحم، هي ملكوت الله الذي زرعُه وبدايته الكنيسة (الدستور العاقائديّ: في الكنيسة، 5)، هذه «العلامة والاداة للاتّحاد بالله ولوحدة الجنس البشريّ» (الدستور العقائديّ في الكنيسة، 1؛ رجاء جديد للبنان، 19). وهكذا تمّت نبوءة ميخا التي ترقى إلى ما بين 750 و687 قبل الميلاد: «وأنتِ يا بيت لحم، إنّك أصغر عشائر يهوذا، ولكنْ منك يخرج ملك يرعى شعبي، وأصوله منذ القديم، منذ أيّام الأزل» (ميخا 5/1).

       وهذا دليل أخيرًا أنّ يسوع لم يولد من زرع بشريّ، بل من عذراء متزوّجة وقد حبلت به بقوّة الروح القدس، كما جاء في البشارة لمريم وفي البيان ليوسف. ولهذا تعمّد لوقا القول في رواية الميلاد: «صعد يوسف مع مريم خطّيبته وهي حبلى (لو 2/5) علمًا أنّهما تساكنا بعد بيان الملاك له: «أخذها إلى بيته ولم يعرفها فولدت ابنها البكر وسمّاه يسوع» (متّى 1/24-25)، هذا الذي سيكون «البكر لإخوة كثيرين» (روميه 8/29)، أبناء شعب الله الجديد «الذين ليسوا من دم، ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل، بل من الله ولدوا» (يو 1/31). إنّه يدشّن الأزمنة الجديدة، إذ، لكونه «ابن الله الوحيد» (يو 1/14) و«صورة الله الذي  لا يرى»، هو  «بكر جميع البرايا» (كولوسي 1/15). مريم البتول الأمّ، في بيت لحم، ستصبح يوم موته على الصليب، في أورشليم، أمّ البشريّة جمعاء المتمثّلة بشخص يوحنّا (يو 19/26-27)، وستكون «أيقونة الكنيسة» التي هي «أمّ وبتول» بالنعمة. «أمٌ» تلد بالكرازة والمعموديّة لحياة جديدة، و «بتول»  أعطت إيمانها لعريسها وتحفظه كاملاً ونقيًّا (الدستور العقائديّ: في الكنيسة، 63-64؛ التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، 507).

 

3.  ليتورجيّا السماء

 

«مجد الربّ أشرق عليهم... وبغتة  ظهر مع الملاك كثير من جنود السماء، يسبّحون الله ويقولون: المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر» (لو 2/9و13-14).

إنّه ظهور إلهيّ في ليتورجيّة سماويّة تحتفل بحدث َ تمّم، وجمع الماضي والحاضر والمستقبل، هو ميلاد المسيح، ابن الله، الذي «يسير بالأزمنة إلى تمامها، فيجمع في ذاته كلّ شيء ممّا في السموات وما في الأرض» (أفسس 1/10).

 في طفل المذود كان الله نفسه حاضرًا، ومعه نزل الجنود السماويّون من السماء إلى الأرض، يحتفلون بدخول المسيح يسوع إلى العالم، كما يقول بولس الرسول، مستندًا الى المزمور 97: «قال الله، عند إدخال الابن إلىالعالم: لتسجد له جميع ملائكة الله» (عبرانيين 1/6).

       «الليتورجيّا» تعني، من حيث اللفظة الأصليّة، «العمل العام» أي «خدمة يقوم بها الشعب لصالحه»، وفي التقليد المسيحيّ تعني مشاركة شعب الله في «عمل الله». المسيح، الفادي والكاهن الأعظم، هو الليتورجيّ الأوّل الذي يواصل في الكنيسة، ومعها وبواسطتها، عمل فدائنا (التعليم المسيحيّ، 1066). الليتورجيّا التي نحتفل بها، في كنائسنا على الأرض، تواصل خدمة الملائكة، وتستبق ليتورجيّا أورشليم السماء وتتذوّقها  (المرجع نفسه  1088). إنّنا بالمهابة والجمال والتقوى نقيم الاحتفالات الليتورجيّة ونشارك فيها.

 

4.  البشارة  لرعاة بيت لحم

 

«أبشركم بفرح عظيم، يكون للعالم كلّه: لقد وُلد اليوم لكم المخلص الذي هو المسيح الربّ» (لو 2/10-11).

للرعاة الفقراء والبسطاء كانت بشرى الملاك، وهي أوّل إعلان لانجيل الخلاص. اللفظة الأصليّة هي «أؤنجلكم»، أي «أبشركم»؛ استعملها الربّ يسوع، من كلمات أشعيا، في هيكل الناصرة: «روح الربّ عليّ: مسحني وأرسلني لاؤنجل المساكين» (لو 4/8).

«فقراء» أو «مساكين» الانجيل هم الناس المفتقرون إلى الله، إلى نعمه وخيراته وتجلّياته؛ هم المتواضعون الودعاء الذين، بروح الطفولة، يفتحون عيونهم وعقولهم وأياديهم وقلوبهم إلى الله وعطاياه؛ هم الناس المرهقون تحت نير الظلم والاستضعاف والاستعباد. لا يستطيع الانجيل أن يصل إلى القلوب المتحجّرة والعقول المنطوية على ذاتها. ولا يستطيع الناس الممتلئون من ذواتهم والمكتفون بحالهم وحالتهم والناقمون واليائسون أن يقبلوه، ويسيروا على هدي الحقيقة والرجاء.

مضمون «البشارة السارّة»- الانجيل- هو «الفرح العظيم» لجميع الناس بأنّ المسيح المولود يأتي ليحمل اليهم التحرير والخلاص. كلّهم مدعوّون إلى هذا «الفرح العظيم». كلّهم يحتاجون اليه، وهو مقدَّم للجميع، «للعالم كلّه». البابا يوحنّا بولس الثاني جدّد النداء في بداية حبريته: افتحوا الأبواب للمسيح! بل شرّعوها لقوّته الخلاصيّة! افتحوا حدود الدول، والأنظمة الاقتصاديّة والسياسيّة، والحقول الواسعة: حقول الثقافة والحضارة والانماء. لا تخافوا ! فالمسيح يعرف ما في داخل الانسان. وحده يعرفه (22 تشرين الأوّل 1978).

اليوم ولد لكم المخلّص. هو «يوم» الله يصبح «يوم الانسان». إنّه بداية الزمن المسيحانيّ، زمن الخلاص، ونهاية الأزمنة السابقة واكتمالها، والزمن الأخير الحاسم لخلاص جميع الناس. كلّ يوم من حياتنا صدى لهذا «اليوم»: هو عمّانوئيل «الله معنا» لخلاصنا. هذه هي رسالة الكنيسة تواصلها كلّ يوم بإعلان إنجيل الخلاص والتحرير.

هذا المخلّص هو «المسيح الربّ» الذي مسحه الروح القدس في طبيعته البشريّة، المتّحدة بالشخص الالهيّ، نبيًّا وكاهنًا وملكًا، والذي يشرك في مسحة الروح شعب الله الجديد، جاعلاً إيّاه شعب الأنبياء والكهنة والملوك، على ما سيكتب بطرس الرسول: أمّا أنتم فإنّكم ذرّية مختارة وجماعة ملوكيّة كهنوتيّة، وأمّة مقدّسة، وشعب اقتناه الله للاشادة بآيات الذي دعاكم من الظلمات إلى نوره العجيب. لم تكونوا بالأمس شعب الله، وأمّا الآن فإنّنكم شعبه (1 بطرس 2/9-10). هو «االربّ» الذي يخلّص بقدرته الالهيّة، يعطي الخيرات ويحرّر من الشرور.

 

5.  شهادة الرعاة

 

«سيروا بنا إلى بيت لحم لنرى الكلمة التي كلّمنا عنها الربّ... وبعد أن رأوا، أخبروا بما قيل لهم عن الطفل... ثمّ رجعوا وهم يسبّحون الله ويهللون» (لو 2/15،17،20).

في صمت الليل وبساطة القلوب، سمع الرعاة بشرى الربّ. إعلان الخلاص يأتي من الله بالوحي، لا من عقل الانسان. نحن بحاجة إلى الصمت وبساطة القلب لكي نسمع الله الذي يتكلّم. فأسرعوا ليروا، وقد أعطاهم الملاك «علامة». إنّها قصّة كلّ يوم أحد: الربّ يوحي ويتجلّى تحت علامات الخبز والخمر في القدّاس، والمؤمنون «يسرعون ليروا».

رأى الرعاة العلامة فآمنوا وأخبروا بكلّ ما سمعوا. المسيحيّة خبر مفرح تحمله لجميع الناس: «إذهبوا في الأرض كلّها وأعلنوا بشارتي إلى الخلق أجمعين» (مر 16/15). وعادوا يسبّحون الله ويهلّلون، مواصلين بدورهم الليتورجيّا الملائكيّة.

وهكذا أصبح الرعاة، وقد «أشرق عليهم مجد الربّ»، أوّل من استودعهم الله بشرى الخلاص، وأوّل المشاهدين المتأمّلين لسرّ الكلمة، وأوّل المبشّرين «بالفرح العظيم»، وأوّل المسبّحين لله في ليتورجيّة العهد الجديد.

ونحن، في الميلاد، نواصل السماع والرؤية ونقل الخبر ورفع آيات التسبيح، من أجل عالم يتخبّط في الظلمات، وقد وافاه «الشارق من العلى» (لو 1/78).

 

***

 

ثانيًا، الخطّة الراعويّة

 

يفتتح المجمع البطريركيّ المارونيّ نصوص الملفّ الثالث حول آفاق المستقبل تحت عنوان «حضور الكنيسة في عالم اليوم»، بالنصّ الخامس عشر، فيحدّد عالم اليوم بالنسبة إلى الكنيسة المارونيّة.

تقتضي الخطّة الراعويّة أن نعيش روحانيّة التجسّد التي تطبع الكنيسة المارونيّة، انطلاقًا من عقيدة مجمع خلقيدونيا (سنة 451).

أ- يتشاور أبناء الرعيّة وأفراد الأسرة وأعضاء الجماعة الديريّة والمنظّة الرسوليّة والمؤسّسة واللجان الراعويّة، في ضوء روحانيّة التجسّد، بشأن حضورهم في زمانهم ومكانهم، شهودًا لمحبّة الآب التي تظلّل الجميع، ولنعمة الابن الوحيد التي تخلّص الجميع، ولقوّة حلول الروح القدس التي تحيي وتجدّد الجميع. كيف يبلورون في الواقع هذا الحضور وهذه الشهادة؟

ب- يوصي المجمع البطريركيّ في النصّ 15، مستعملاً كلمات البابا يوحنّا بولس الثاني (رسالة الفادي، 42-43)، بأن نندمج، نحن المسيحيّين، بحكم روحانيّة التجسّد، في صميم حياة الشعوب الذين نعيش معهم وبينهم، بحيث نكون «آيات إنجيليّة» بأمانتنا لوطننا وشعبنا وثقافتنا الوطنيّة، ثقافة الحوار والتلاقي والديموقراطيّة والوفاق، مع الاحتفاظ بكنز الحريّة التي أكسبنا إيّاها المسيح. نتشاور ونفكر معًا ونرسم خطّة نلتزم بها معًا.

ج- خطّتنا الراعويّة هي أن تبقى الجماعة المسيحيّة حاضرة في عالمها العربيّ، لا من أجل ذاتها ومصالحها، بل من أجل رسالة خلاصيّة تسلّمتها من المؤسّس الالهيّ. فالعالم العربيّ، عالمنا، يبحث عن ذاته، وعن صيغة لوجوده، وعن موقع له في عالم اليوم، وهو بحاجة إلى الاستقرار والسلام. إنسانه متألّم، فيلجأ الى التعبير عن ذاته عن طريق العنف أو التطرّف أو العدوانيّة أو التعصّب، إذ يرى نفسه مهدّدًا في هويّته وشخصه وكيانه (رسالة بطاركة الشرق الكاثوليك: الحضور المسيحيّ في الشرق؛ النصّ المجمعيّ 15، عدد 17).

 

صلاة

ليلة الميلاد، يُمّحى البغضُ،           ليلة الميلاد، تزهرُ الأرضُ

ليلة الميلاد، تدفن الحربُ،            ليلة الميلاد، ينبت الحبُ

عندما نسقي عطشان كأس ماء،       نكون في الميلاد

عندما نكسو عرياناً ثوب حبّ،         نكون في الميلاد

عندما نكفكف الدموع في العيون،      نكون في الميلاد

عندما نفرش القلوب بالرجاء،          نكون في الميلاد.

 

****

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ختانة الطفل يسوع ورأس السنة ويوم السلام العالميّ

إنجيل القدّيس لوقا 2/21

سلامنا، هبة ومسؤوليّة

 

       تحتفل الكنيسة اليوم باسم يسوع وبرأس السنة الجديدة التي يطبعها باسمه، لتكون سنة خلاص وسلام للانسان وللشعوب والدول. ولهذا تحتفل بيوم السلام العالميّ الذي أسّسه بإلهام مشرق البابا بولس السادس في 8 كانون الأوّل 1967، من أجل تعزيز ثقافة السلام .منذ ذلك الحين حتّى يومنا، والأحبار الرومانيّون يوجّهون سنويًّا رسالة إلى العالم في مناسبة يوم السلام العالميّ.

 

أوّلاً، معاني العيد

 

1.  دعي اسمه يسوع

 

       «في اليوم الثامن لولادته تمّت ختانة الطفل، ودعي اسمه يسوع». الختانة رتبة طقسيّة عند اليهود (تكوين 17/10-14) للدلالة على العهد مع الله: «فأذكر عهدي مع يعقوب ومع اسحق ومع ابراهيم، وأذكر الأرض وأكون لهم إلهًا أنا الربّ» (أحبار 26/42 و45) ، وعلى الانتماء إلى الشعب المختار، وعلى تطهير القلب ليحبّ الانسان الله فيحيا: «ويختن الربّ إلهك قلبك وقلب نسلك، لتحبّ الربّ إلهك بكلّ قلبك وبكلّ نفسك لكي تحيا» (تثنية الاشتراع 30/6)، ويضيف بولس الرسول: «ليس الختان بما يبدو في ظاهر الجسد، بل الختان ختان القلب العائد إلى الروح، لا إلى حرف الشريعة. ذاك هو الرجل الذي ينال الشفاء من الله لا من الناس» (روم 2/28-29). وأخيرًا على الخضوع لله وتأدية العبادة له بالروح (فليبّي 3/3).

       في رتبة الختانة يُعطى المولود الجديد اسمًا. هذا ما يجري في المسيحيّة عند منح سرّ المعموديّة والتثبيت (الميرون).

       «دعي اسمه يسوع، كما سمّاه الملاك قبل أن يحبل به»

       «يسوع» اسم عبريّ «يشُوَعٍْ»، لفظة مصغّرة لـ«يهو شٌوَعْ» أي «الله هو الخلاص». أمّا اسم  «المسيح» بالعبريّة «ماشيح»، وبالأرامية «مشيحا»، وباليونانيّة «كريستوس»، فيعني «الذي» مسحه الله وكرّسه وأرسله لخلاص البشر.

       في الثلاثين من عمره، بعد نيل معموديّة يوحنّا وامتلائه من الروح القدس وإعلان بنوّته الالهيّة للآب على نهر الأردن (لو 3/21-23)، أعلن يسوع مضمون اسمه ورسالته المسيحانيّة بشكل رسميّ في الهيكل: «روح الربّ عليّ، مسحني وأرسلني لأبشّر المساكين، وأعلن للمأسورين تخلية سبيلهم، وللعميان عودة البصر إليهم، وأفرّج عن المظلومين، وأعلن سنة رضى عند الربّ» (لو 4/18). وقد اختصرت كلّها بكلمة واحدة هي السلام، كما أنشده الملائكة ليلة ميلاده:«السلام في الأرض للناس الذين يحبّهم الله» (لو 2/14)، وأعلنه بولس الرسول: «المسيح سلامنا» (أفسس 2/14).

 

2.  يسوع عطيّة السلام

 

       يحتفل العالم اليوم مع الكنيسة «بيوم السلام العالميّ». إنّه احتفال بالمسيح الذي هو سلامنا عطيّة السلام لجميع الناس، أعطيت منه  يوم القيامة: «السلام لكم» (يو 20/19؛ 21/26). لقد أتى المسيح  ليجمع ما كان منقسمًا، وينتزع الخطيئة والبغض، موقظًا في البشريّة الدعوة إلى الوحدة والأخوّة. إنّه المبدأ والمثال للبشريّة المتجدّدة، الممتلئة حبًا أخويًّا وإخلاصًا وروحًا مسالمًا، إليها يتوق الجميع.

       تريد الكنيسة في هذا العالم الجديد أن تثبت دعوتها ورسالتها بأن تكون في المسيح سرًّا                   (sacrement) أي علامة السلام وأداته في العالم ومن أجل العالم. وهي تفعل ذلك بوضع إنجيل السلام في خدمة الجنس البشريّ. عندما نقول الكنيسة نعني رعاتها ومؤمنيها، جماعاتها ومؤسّساتها، بل كلّ الناس ذوي الارادة الحسنة.

       ولأن السلام عطيّة من الله لأرضنا ، فقد بات الالتزام به عملاً جوهريًّا. فهو كالمبنى في طور بناء دائم، والكلّ مدعوّ للالتزام به: الأهل في العائلة ليعيشوا السلام ويشهدوا له ويربّوا أولادهم عليه؛ المعلّمون في المدارس والجامعات لينقلوا قيم المعرفة وتراث البشريّة التاريخيّ والثقافيّ؛ الرجال والنساء في عالم العمل ليناضلوا في سبيل كرامة العمل البشريّ على أساس العدالة والتضامن؛ حكّام الدول لكي يضعوا في قلب عملهم السياسيّ العزم الثابت على الالتزام بالسلام والعدالة؛ العاملون في المنظّمات الدوليّة لكي يواصلوا عملهم كفاعلي السلام بالرّغم من المخاطر التي تهدّد سلامتهم الشخصيّة؛ المؤمنون لكي يعزّزوا بالحوار المسكونيّ وبين الأديان قضيّة السلام والحبّ، هم الذين يعتبرون أنّ الايمان الأصيل هو ضدّ الحرب والعنف.

 

3.  يسوع أساس السلام الشامل

 

       بميلاد ابن الله انسانًا، يسوع المسيح، في بيت لحم، كانت للعالم رسالة من السماء تؤكّد أنّ الله يحبّ جميع أناس الأرض ويعطيهم الرجاء بزمن جديد، هو زمن السلام، وأنّ حبّه الذي تجلّى بملئه في الابن المتأنّس هو أساس السلام الشامل. ذلك أنّ من يقبل الابن بكلّ قلبه، يصالحه الابن مع الله ومع ذاته، ويجدّد العلاقات بين الناس، ويذكي العطش إلى الاخوّة القادرة على تجاوز تجربة العنف والحرب. هذه الرسالة السماويّة تدعو البشريّة لتؤلّف عائلة واحدة على قاعدة العلاقات المتناغمة بين الأشخاص والشعوب، والانفتاح على الله المتسامي، وتعزيز كرامة الانسان، واحترام الطبيعة.

       لكن البشريّة تصاب بخسارة كبيرة بسبب الحروب المتتالية والنزاعات وموجات القتل والتهجير التي  تزرع وراءها البؤس والجوع والأمراض والتقهقر الاجتماعيّ والاقتصاديّ. على أساس هذه المآسي يوجد منطق الظلم والاستضعاف، الذي تغذّيه رغبة جامحة في التسلّط على الآخرين واستغلالهم. وإذا بالحروب تتسبّب غالبًا في حروب أخرى، لأنّها تذكي أحقادًا عميقة، وتخلق أوضاعًا من الظلم، وتدوس كرامة الأشخاص وحقوقهم. معروف أنّ من ينتهك الحقوق الانسانيّة إنّما ينتهك الضمير الانسانيّ، بل البشريّة ذاتها. ومع ذلك لنا بالميلاد رجاء أنّ  السلام ممكن، ويجب التماسه كعطيّة من الله، وبناؤه يومًا بعد يوم بأعمال عدالة وحبّ، وبعون الله. وسيكون سلام بمقدار ما تكتشف البشريّة بأسرها دعوتها الأصليّة لتكون عائلة واحدة تحترم فيها كرامة الأشخاص وحقوقهم، أيًّا يكن عرقهم ودينهم وحالتهم. هذا ما تؤمن به الكنيسة، وتدعو إليه بلسان أحبارها الرومانيين في اليوم الأوّل من كلّ سنة، عبر نداءاتهم.

 

4.  شروط السلام ومقتضياته

 

       للسلام شروط يقوم عليها، ومقتضيات ينبغي الالتزام بها. نذكر منها:

        التضامن الذي يجعل من البشريّة عائلة واحدة. إنّه يجد نقطة الارتكاز في مبدأ شموليّة خيرات الأرض التي أعدّها الله لجميع الناس. هذا المبدأ لا ينتزع شيئًا من شرعيّة الملكيّة الخاصّة، بل يكشف وظيفتها الاجتماعيّة. لا سلام بدون تضامن وبدون إنماء شامل للانسان والمجتمع.

        الاقتصاد الذي يحتاج إلى مفهوم جديد. لا بدّ من العودة إلى أهداف الاقتصاد الرامية إلى توفير الخير العام. يُشّوه الاقتصاد إذا أصبح وسيلة تجعل الأغنياء أكثر غنى، والفقراء أكثر فقرًا. الاقتصاد الذي لا يولي أيّ اعتبار للبُعد الخلقيّ، ولا يحمل أيّ همّ لخدمة خير الشخص البشريّ، ليس جديرًا بأن يدعى «اقتصادًا"، بمفهومه كإدارة عقلانيّة ومفيدة للثروة الماديّة.

        الانماء الذي لا يقف عند حدود المساعدة الطارئ، بل يكون التزامًا عمليًّا وواقعيًّا في جعل الفقراء فاعلي نموّهم، وفي تمكينهم من ممارسة ما عند الشخص البشريّ من طاقة خلاّقة. هذا الأمر يشكّل ثروة الأمم. يشمل الانماء المجتمع البشريّ بحيث يقتضي وعيًا للقيم الخلقيّة الشاملة، التي بدونها لا مجال لحلّ النزاعات ولتأمين مستقبل أفضل للبشريّة، قائم على العيش معًا وفق مقاصد الله، وعلى الحوار والتعاون بين الشعوب والثقافات والأديان، وعلى اللقاء بين العقل والايمان، وبين الحسّ الدينيّ والحسّ الخلقيّ.

       المساعدة الانسانيّة التي هي حقّ لمليارات من الناس الفقراء، يفرضها مبدأ احترام الشخص البشريّ الذي يسمو ويفوق كلّ المؤسّسات. واجب لوقف كلّ اعتداء يتسبّب في إفقار الناس .

 

***

 

ثانيّا، الخطّة الراعويّة

 

       «السلام ثمرة العدالة» يقول أشعيا النبيّ (32/17). «والانماء هو الاسم الجديد للسلام» (البابا بولس السادس: ترقّي الشعوب، 87).

       أ- تبدأ الخطّة الراعويّة من الذات، من السلام الشخصيّ مع الله والناس، بالتوبة والمصالحة. كلّ واحد منّا، في بداية السنة الجديدة 2006، يلتزم بتجديد ذاته. هذه هي التوصية الأولى من المجمع البطريركيّ المارونيّ في ملفّه الثاني، وعنوانه التجدّد في الأشخاص والهيكليّات. بتجدّد الشخص تتجدّد الهيكليّات. الأساس هو تجديد الذات بسلام الضمير الآتي من سماع صوت الله في أعماق نفسي؛ وبالسلام مع حالتي الشخصيّة الناتج من الأمانة لدعوتي الخاصّة ولواجباتي؛ وبالسلام مع الله بالرّجوع إليه من حالة الخطيئة عبر سرّ التوبة والمصالحة والاغتذاء من الحياة الجديدة في الافخارستيا. ذاتي المتجدّدة هي نقطة أرخيميدس (187-212 ق.م.) التي منها أستطيع رفع العالم.

       ب- لقاء الجماعة، في الرعيّة والأسرة والدير والمدرسة والمنظّمة الرسوليّة والمؤسّسة وما شابهها، يخلق جوًّا ملائمًا ليساعد كلّ شخص في إلقاء نظرة وجدانيّة على ذاته، واستخراج ما يجب تغييره وتجديده. ثمّ يصار إلى تبادل الأفكار والخبرات، ومن بعدها إلى رسم خطّة مشتركة لبناء السلام الداخليّ.

       ج- تنتقل الخطّة الراعويّة إلى البعد الاجتماعيّ، لبناء السلام على المستوى الأفقيّ، أعني إنماء الشخص البشريّ والمجتمع، على قاعدة المحبّة والعدالة والخير العام، في ضوء كلمة البابا بولس السادس. «الانماء هو الاسم الجديد للسلام». نعني الانماء الشامل ثقافيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، كما نجده في النصوص المجمعيّة 18 و19 و 20 و21.

 1) السلام الثقافيّ يتوفّر عندما يحفظ التراث الذي يشكّل هويّة الجماعة الحضاريّة بصفاتها وخصائصها، وهي حصيلة النتاج الماديّ والفكريّ والروحيّ والفنيّ، بأصوله السريانيّة والأنطاكيّة واللبنانيّة. يوصي المجمع البطريركيّ بكشف النقاب عن التراث والمحافظة عليه وإحيائه، حفاظًا على هويّتنا. فإهماله يعني اقتلاع الجماعة من جذورها، ما يعرّضها إلى خطر الذوبان السريع أو التغرّب عن بيئتها التاريخيّة والحضاريّة (النصّ 18: الكنيسة المارونيّة والثقافة).

2) السلام السياسيّ منوط بتوفير الخير العام، الذي يقتضي إيجاد الحلول لمشاكل المجتمع ولتأمين حقّ الانسان بالحريّة والعدالة والاستقرار والعيش الكريم والمساهمة في الحياة العامّة. فالعمل السياسيّ فنّ شريف، يصفه البابا بولس السادس «بالطريق الصعب لعيش الالتزام المسيحيّ في خدمة الآخرين» (النصّ 19).

3) السلام الاجتماعيّ يتوفّر بخدمة المحبّة للمعوزين والمرضى والمعاقين، وبروح التضامن مع هؤلاء، ومساعدتهم للخروج من معاناتهم. إنّ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ يشكّل أفضل ثقافة على مستوى السلام الاجتماعيّ (النصّ 20).

4) السلام الاقتصاديّ يتأمّن بتأمين فرص عمل للجميع، وتنشيط كلّ نشاط إنتاجيّ على مختلف الأصعدة، فيعيش الناس بطمأنينة وكرامة، ويحدّ من موجة الهجرة والبطالة.

إنّ الخطّة الراعويّة تقتضي من سائر القوى الحيّة في الرعيّة والأبرشيّة والمجتمع التفكير معّا والتخطيط والتطبيق. فبالتضامن والتعاون نبلغ مبتغانا المشترك.

 

صلاة

 أيّها الربّ يسوع مخلّصنا، الاسم المقدّس الذي بشّر به الملاك، وفيه أسمى الأوصاف: المعلّم والرئيس والمشترع والكاهن والوسيط والذبيحة والفادي والمخلّص، يا أمير السلام، امنحنا أن نعتقد بأنّ السلام الحقيقيّ ممكن، لانّ البشر الذين جبلتهم على صورتك هم في أعماقهم صالحون. أعطنا ربّ، أن نكون فاعلي سلام، نبنيه على الحقيقة والعدالة والحريّة والمحبّة. لك المجد إلى الأبد.

 

 

*  *  *

 

 

 



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +