Skip to Content

صوم الرب والتجربة على الجبل - دير القديس أنبا مقار الكبير



صوم الرب

والتجربة على الجبل

(مت 4: 1-11)





للقديس يوحنا ذهبي الفم

(347-407م)


+
«ثم أُصعِدَ يسوع إلى البرية من الروح ليُجرَّب من إبليس».

+
حكمة الله من سماحه بالتجارب لنا. معنى كلمة: «أُصعِدَ إلى البرية» ليُجرَّب من إبليس.

+
وحكمة صوم الرب عن الطعام، في بداية خدمته الخلاصية للبشرية.

حكمة الله من سماحه بالتجارب لنا:


1
-
«ثم أُصعِدَ». متى كان ذلك؟ بعد نزول الروح القدس عليه من السماء، وبعد
الصوت الآتي من فوق:

«هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررتُ».

والعجيب أنه
أُصعِدَ من الروح القدس، ولهذا يقول أيضاً في هذه المناسبة: «وللوقت أخرجه
الروح إلى البرية
» (مر 1: 12).

ولأنه يهدف إلى تعليمنا من كل ما عمله
واجتازه، لذلك رَضِيَ أن يُقتاد إلى هناك وأن يتصارع مع إبليس، حتى أن كل
مَن يعتمد، إذا ما قابل بعد عماده (أو نواله أية نعمة) أشد التجارب، لا
يضطرب كما لو كان ذلك أمراً غير متوقع، بل عليه أن يُثابر على تحمُّل كل
شيء بشهامة كأمورٍ طبيعية تسير في مجراها.

نعم،
إنك حملتَ الأسلحة، لا لتكون عاطلاً، بل لتُحارِب بها. لذلك نجد أن الرب
لا يمنع التجارب إذا ما أتت. أولاً: ليُقوِّمك حتى تكون شديد البأس؛
وثانياً:

لكي تظل متواضعاً، وحتى لا ترتفع بعِظَم ما نلتَ من نِعَم،
فالتجارب كفيلة بأن تقمعك؛ وثالثاً: بمحَك التجربة يتأكَّد عدو الخير
جيداً - الذي قد يرتاب أحياناً في هجرانك له - من أنك تخليتَ عنه ونبذته
تماماً؛ ورابعاً: حتى تصبح عن هذا الطريق أشد متانة وأقوى من الفولاذ؛
خامساً: لكي تكون على يقين تام مما أُودِعته من كنوز.

فالعدو
لم يكن ليُهاجمك لو لم يكن قد رآك حائزاً على كرامة أكثر رِفعة منه، فهو
على سبيل المثال، قد شرع منذ البداية بمهاجمة آدم، لأنه قد رآه يتمتع
بكرامة عظيمة.

لهذا السبب نفسه قد أعدَّ العدَّة أيضاً لمناصبة أيوب عندما
رأى أن إله الكل قد أحاطه بسياج نِعَمِه ورفع شأنه.

إذن،
فكيف يقول الرب: «صلُّوا لئلا تدخلوا في تجربة» (مت 26: 41)؟ لهذا يُعلن
لك الإنجيل بوضوح، ليس أن يسوع قد خرج إلى البرية، بل إنه:

«أُصعِدَ
(اقتيد)»، بحسب ما يقتضيه منطق التدبير الإلهي، مُلمِّحاً لنا بهذا أننا
لا ينبغي أن نرمي بأنفسنا فيها (أي في التجربة)، ولكن إذا ما سُحِبنا
إليها بغير إرادتنا، فعلينا أن نصمد مقابلها ثابتي العزم.

ثم
أيضاً إلى أين يقوده الروح عندما حَمَلَه؟ لا إلى مدينة وساحة عامة، بل
إلى برية قفرة. وإذ أراد أن يجتذب إبليس ويعطيه فرصة للاقتراب منه، ليس
فقط بجوعه، ولكن أيضاً باعتزاله في مكان مُوحِش.

ففي معظم الأحيان يشنُّ
العدو هجماته بصفة خاصة على الناس عندما يراهم معتزلين وحدهم بأنفسهم.
وهكذا فعل منذ البداية مع المرأة (حواء) إذ هاجمها بعنف، عندما انفرد بها
بعيداً عن زوجها وأوقعها في فخاخه.

أما إذا رآنا
مترابطين معاً برباط المحبة، فإنه لا يجرؤ على مهاجمتنا.

لذلك نحن في
أمسِّ الحاجة جداً والحال هذه أن نظل قطيعاً واحداً معاً دون انفصام، حتى
لا نكون مُعرَّضين لهجمات إبليس.

حكمة صوم الرب عنا، وصومنا نحن:


2
-
فإذ وجد (المجرِّب) الربَّ في برية قفرة وغير مطروقة (لأن هذا ما يعنيه
معنى البرية كما يؤكِّد مرقس الإنجيلي قائلاً: «إنه كان مع الوحوش»)، انظر
بأي دهاء شديد وبأية حيلة ماكرة يقترب، وما نوعية الفرصة التي ينتهزها!
فليس في وقت الصوم بل في جوع الرب يَقْدُم إليه (المُجرِّب)، لكي نتعلَّم
جلال ومنفعة الصوم،

أو كيف أنه أقوى درع نتحصَّن به مقابل الشيطان، وأنه
بعد المعمودية (أو نوال أي سر) لا ينبغي الاستسلام للإسراف في الأكل
والشُّرب والموائد المكتظَّة بشتَّى الأطعمة؛ بل للصوم لأنه لأجل هذا قد
صام الرب لا لحاجته هو بل ليرسم لنا طريق الخلاص.

ولما
كانت خطايانا قبل المعمودية قد نتجت (معظمها) من كثرة الأكل والشرب،
يتقدَّم الرب كمثل طبيب يمنع مريضاً قد عُوفي من الرجوع إلى تلك الأمور
التي قد تسبَّبت في اعتلال الصحة.

وهكذا نرى الرب بعد المعمودية يضع على
نفسه هو الصوم عنا، لكي يكون لنا مثالاً. إن آدم طُرِدَ من الفردوس بسبب
عدم كبح النفس من شهوة البطن.

وهذا هو أيضاً الذي جلب الطوفان أيام نوح،
والبروق الحارقة على سدوم. فبالرغم من أنه كان هناك تحذير بعدم البغاء،
إلاَّ أنه طلع من عدم كبح النفس من شهوة البطن، جذر كل هذه الآثام التي
أشار إليها حزقيال أيضاً عندما قال:

«هذا كان إثم سدوم: الكبرياء والشبع
من الخبز والإسراف في التنعُّم» (حز 16: 49 - حسب السبعينية). كذلك اليهود
قد ارتكبوا إثماً جسيماً منقادين إلى التعدِّي بسبب سُكرهم وتنعمهم (إش 5:
12،11).

إذن، بسبب هذا يصوم الرب أربعين يوماً،
ليدلنا على أدوية خلاصنا، غير مواصلٍ إلى أكثر من هذا لئلا تصير حقيقة
تدبيره غير مُصَدَّقة بسبب عظمة المعجزة. فهذا لم يكن في إمكان البشر، وإن
كان موسى وإيليا قد صاما وقتاً طويلاً بهذا المقدار، إلاَّ أنهما كانا
متشدِّدَيْن بقوة الله.

فهو (الرب) لم يزد عنها، لئلا يكون اتخاذه جسداً
(أي تجسُّده) ضمن الأمور التي يشك فيها الكثيرون. +



***********************************


**


**


********


********


**


**


**


**


**




لمجده تعالى
+   ?    +



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +