Skip to Content

" نُمات كل النهار " - لنيافة الأنبا رافائيل

 

همسات روحية

لنيافة الأنبا رافائيل

 Click to view full size image

"نُمات كل النهار"

ارتبطت المسيحية منذ نشأتها بالاستشهاد.. فكانت المكافأة الوحيدة التي يُغرى بها الإنسان على اعتناق المسيحية هي أنه سيموت على اسم المسيح.

وكان يسبق الاستشهاد مجموعة من العذابات والآلامات التي لا نحتمل حتى سماع وصفها.. ونتعجب كيف احتمل آباؤنا هذه الضيقات؟ وكيف استهانوا بالموت إلى هذا الحد؟!!

والإجابة يُلخصها مُعلِّمنا بولس الرسول في ذكصولوجية جميلة قائلاً: "مَنْ سيَفصِلُنا عن مَحَبَّةِ المَسيحِ؟ أشِدَّةٌ أم ضَيقٌ أم اضطِهادٌ أم جوعٌ أم عُريٌ أم خَطَرٌ أم سيفٌ كما هو مَكتوبٌ: إنَّنا مِنْ أجلِكَ نُماتُ كُلَّ النَّهارِ. قد حُسِبنا مِثلَ غَنَمٍ للذَّبحِ.

ولكننا في هذِهِ جميعِها يَعظُمُ انتِصارُنا بالذي أحَبَّنا. فإني مُتَيَقنٌ أنَّهُ لا موتَ ولا حياةَ، ولا مَلائكَةَ ولا رؤَساءَ ولا قوّاتِ، ولا أُمورَ حاضِرَةً ولا مُستَقبَلَةً، ولا عُلوَ ولا عُمقَ، ولا خَليقَةَ أُخرَى، تقدِرُ أنْ تفصِلَنا عن مَحَبَّةِ اللهِ التي في المَسيحِ يَسوعَ رَبنا" (رو8: 35-39).

إن محبة المسيح التي (تحصرنا) هي التي تجعلنا نستهين بكل شيء من أجل حبه السامي..

+ "خَسِرتُ كُلَّ الأشياءِ، وأنا أحسِبُها نُفايَةً لكَيْ أربَحَ المَسيحَ" (في3: 8).
+ و"نَحنُ نُحِبُّهُ لأنَّهُ هو أحَبَّنا أوَّلاً" (1يو4: 19).

وعلامة محبته أنه مات من أجلنا..

+ "ليس لأحَدٍ حُبٌّ أعظَمُ مِنْ هذا: أنْ يَضَعَ أحَدٌ نَفسَهُ لأجلِ أحِبّائهِ"(يو15: 13).
+ "لأنَّهُ هكذا أحَبَّ اللهُ العالَمَ حتَّى بَذَلَ ابنَهُ الوَحيدَ، لكَيْ لا يَهلِكَ كُلُّ مَنْ يؤمِنُ بهِ، بل تكونُ لهُ الحياةُ الأبديَّةُ" (يو3: 16).

 

الصليب والمسيحية

إننا لا نستطيع أن نتخيل المسيحية بدون الصليب، فالسيد المسيح نفسه جاء لأجل أن يُصلب.. "لأجلِ هذا أتيتُ إلَى هذِهِ السّاعَةِ" (يو12: 27).

وقد سبق السيد المسيح وأنبأ تلاميذه بتفاصيل صلبه قبل الصليب عدة مرات، ليعلن لنا أنه جاء بإرادته ومسرة أبيه الصالح والروح القدس ليُصلب من أجلنا.

فمثلاً:

+ في إشارة واضحة عن الصليب قال السيد المسيح: "وأنا إنِ ارتَفَعتُ عن الأرضِ أجذِبُ إلَيَّ الجميعَ. قالَ هذا مُشيرًا إلَى أيَّةِ ميتَةٍ كانَ مُزمِعًا أنْ يَموتَ" (يو12: 32-33).

+ وفي تصريح صريح قال: "ها نَحنُ صاعِدونَ إلَى أورُشَليمَ، وابنُ الإنسانِ يُسَلَّمُ إلَى رؤَساءِ الكهنةِ والكتبةِ، فيَحكُمونَ علَيهِ بالموتِ، ويُسَلمونَهُ إلَى الأُمَمِ لكَيْ يَهزأوا بهِ ويَجلِدوهُ ويَصلِبوهُ، وفي اليومِ الثّالِثِ يَقومُ" (مت20: 18-19).

+ وكذلك في حديثه مع نيقوديموس قال: "وكما رَفَعَ موسَى الحَيَّةَ في البَريَّةِ هكذا يَنبَغي أنْ يُرفَعَ ابنُ الإنسانِ، لكَيْ لا يَهلِكَ كُلُّ مَنْ يؤمِنُ بهِ بل تكونُ لهُ الحياةُ الأبديَّةُ" (يو3: 14-15).

+ وقال لليهود: "مَتَى رَفَعتُمُ ابنَ الإنسانِ، فحينَئذٍ تفهَمونَ أني أنا هو" (يو8: 28).

واضح إذًا أن السيد المسيح جاء خصيصًا ليموت لأجلنا وعنَّا، وكان يهدف أيضًا أن يكون موته موت الصليب.. "وإذ وُجِدَ في الهَيئَةِ كإنسانٍ، وضَعَ نَفسَهُ وأطاعَ حتَّى الموتَ، موتَ الصَّليبِ" (في2: 8).

معنى الصليب في المسيحية

لم يكن الصليب بالنسبة للسيد المسيح هو مجرد وسيلة الإعدام التي اختارها الرومان لتنفيذ حكم اليهود فيه.. وإنما كان الصليب بالنسبة للسيد المسيح هو منهج ومعنى وفلسفة.
فجميع آلات الإعدام الأخرى تكون ملتصقة بيد المعتدي، فالسيف والحجارة التي يرجمون بها، والمسدس والمدفع والصاروخ.. كلها أدوات اعتداء، أما الصليب فهو وسيلة الإعدام الوحيدة التي تلتصق بالمعتدى عليه. وكأن السيد المسيح يعلن لكل تابعيه والمؤمنين به أن علامتنا الصليب تعني أننا نقبل أن يُعتدى علينا ولكننا لا نقبل أن نعتدي على أحد.. فليس رمزنا السيف ولا المدفع ولا المسدس بل الصليب.

وكأن المسيحي يقول: أنا مستعد أن أموت بيدك بدلاً منك لتعرف إيماني، ولكنني غير مستعد أن أفرض عليك إيماني بالقهر أو الرعب أو الإجبار أو الإعتداء..

إن الصليب هو علامة الاستعداد لقبول الآلام. وعلامة الاستعداد لتحمل المشقات والضيقات والموت من أجل الآخر ولو كان بيد الآخر.

لذلك اعتبر السيد المسيح أن حمل الصليب هو علامة أساسية لتبعيته والتلمذة له:

+ "ومَنْ لا يأخُذُ صَليبَهُ ويتبَعُني فلا يَستَحِقُّني" (مت10: 38).
+ "مَنْ أرادَ أنْ يأتيَ ورائي فليُنكِرْ نَفسَهُ ويَحمِلْ صَليبَهُ ويتبَعني" (مر8: 34).
+ "اتبَعني حامِلاً الصَّليبَ" (مر10: 21).

وقد آمنت الكنيسة منذ البداية بإلهها وعريسها المصلوب، وقبلت أن تحمل الصليب معه حتى ولو لم يفهم أعداء الإيمان حقيقة هذا الصليب "فإنَّ كلِمَةَ الصَّليبِ عِندَ الهالِكينَ جَهالَةٌ، وأمّا عِندَنا نَحنُ المُخَلَّصينَ فهي قوَّةُ اللهِ" (1كو1: 18).. وصار الصليب والاستشهاد علامة فخر المسيحي..

+ "فحاشا لي أنْ أفتَخِرَ إلا بصَليبِ رَبنا يَسوعَ المَسيحِ، الذي بهِ قد صُلِبَ العالَمُ لي وأنا للعالَمِ" (غل6: 14).
+ "مع المَسيحِ صُلِبتُ، فأحيا لا أنا، بل المَسيحُ يَحيا فيَّ. فما أحياهُ الآنَ في الجَسَدِ، فإنَّما أحياهُ في الإيمانِ، إيمانِ ابنِ اللهِ، الذي أحَبَّني وأسلَمَ نَفسَهُ لأجلي" (غل2: 20)
+ "نَحنُ نَكرِزُ بالمَسيحِ مَصلوبًا: لليَهودِ عَثرَةً، ولليونانيينَ جَهالَةً!" (1كو1: 23).
+ "لأني لم أعزِمْ أنْ أعرِفَ شَيئًا بَينَكُمْ إلا يَسوعَ المَسيحَ وإيّاهُ مَصلوبًا" (1كو2: 2).
+ وقيل عن الآباء الرسل.. "وأمّا هُم فذَهَبوا فرِحينَ مِنْ أمامِ المَجمَعِ، لأنَّهُمْ حُسِبوا مُستأهِلينَ أنْ يُهانوا مِنْ أجلِ اسمِهِ " (أع5: 41).

هذه هي فلسفة الاستشهاد عند الآباء، حيث أدركوا عظمة الموت مع المسيح، وعظمة وأكاليل احتمال الآلام من أجله، والأمجاد التي بعدها.. وكان الاستشهاد والصليب والألم سببًا كافيًا لانتشار الإيمان.. ذلك الإيمان العظيم الذي يموت الناس من أجله، وليس الإيمان الذي يدفع تابعيه لقتل الآخرين من أجله.

إنه الإيمان والألم والاحتمال والصبر الذي يقتل العداوة، ويحول العدو إلى صديق، والجاحد إلى مؤمن، والمضطهد إلى كارز كمثل شاول الذي قتل استفانوس، ثم صار بولس العظيم. وكمثل أريانوس والي أنصنا الذي تفنن في تعذيب الشهداء، ثم آمن هو نفسه وصار شهيدًا عظيمًا.

لقد افترست الذئاب هؤلاء الحملان، وشربوا دماءهم الطاهرة، فتحولت الذئاب إلى حملان.. وصارت دماء الشهداء بذار الكنيسة.

 

 



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +