Skip to Content

الليتورجيا و التفاعل الاجتماعي - لنيافة الأنبا رافائيل

 

همسات روحية

لنيافة الأنبا رافائيل

Click to view full size image

 

الليتورجيا والتفاعل الاجتماعي
 

يفهم البعض التدين المسيحي على أنه حياة روحية خالصة بعيدة عن أي تفاعل بين الناس والمجتمع، ويظن هذا البعض أن دائرة تفاعلهم يجب أن تنحصر داخل نطاق الكنيسة، ومع جماعة المؤمنين فقط.

ويغذي هذا الاتجاه الفهم الخاطئ لبعض الآيات الكتابية مثل:


& "لو كنتُم مِنَ العالَمِ لكانَ العالَمُ يُحِبُّ خاصَّتَهُ" (يو15: 19).

& "لا تُحِبّوا العالَمَ ولا الأشياءَ التي في العالَمِ.... والعالَمُ يَمضي وشَهوتُهُ" (1يو2: 15-17).

& "لا تتعَجَّبوا يا إخوَتي إنْ كانَ العالَمُ يُبغِضُكُمْ" (1يو3: 13).

& "أما تعلَمونَ أنَّ مَحَبَّةَ العالَمِ عَداوَةٌ للهِ؟" (يع4: 4).

لا شك أن هذه الآيات المقدسة تتحدث عن الانحرافات التي في العالم، ولكنها لا تتحدث عن العالم بكل ما فيه.. بدليل الآيات التالية:

& "لأنَّهُ هكذا أحَبَّ اللهُ العالَمَ" (يو3: 16).

& "لأنَّهُ لم يُرسِلِ اللهُ ابنَهُ إلَى العالَمِ ليَدينَ العالَمَ، بل ليَخلُصَ بهِ العالَمُ" (يو3: 17).

& "ليؤمِنَ العالَمُ أنَّكَ أرسَلتني" (يو17: 21).

أيضًا يغدي هذا الاتجاه التصوفي الروحاني عند البعض .. الاتجاه الاسخاطولوجي للحياة المسيحية، فالمسيحيين مربوطون بالسماء والسمائيات ..

& "فإنْ كنتُم قد قُمتُمْ مع المَسيحِ فاطلُبوا ما فوقُ، حَيثُ المَسيحُ جالِسٌ عن يَمينِ اللهِ" (كو3: 1).

& "لا تهتَمّوا بشَيءٍ، بل في كُل شَيءٍ بالصَّلاةِ والدُّعاءِ مع الشُّكرِ، لتُعلَمْ طِلباتُكُمْ لَدَى اللهِ" (في4: 6).

كذلك الحياة الرهبانية بكل تفاصيلها النسكية والتوحدية والزهدية، وما لها من تأثير في حياة الكنيسة وحياة الناس حيث ينظرون للرهبان كأمثلة عملاقة في العمل الروحي، كل هذا يغذي المفهوم الروحاني عند الشعب المسيحي.

والآن .. هل فعلاً المسيحية تطالبنا بالانعزال عن المجتمع، وعدم التفاعل مع حركة التاريخ والزمن، وتجنب الحياة مع الآخرين والاختلاط بهم؟ دعنا نلتمس مشورة ليتورجيتنا القبطية، وما تحمله من تعليم لنا بهذا الخصوص.

 

الالتزام الاجتماعي

 

الإنسان المسيحي ملتزم بكل ما في مجتمعه من ظروف ومتغيرات، فالمسيح كلفنا أن نكون نور العالم، ملح الأرض، سفراء، رسالة المسيح المقروءة والمعروفة عند جميع الناس.. فلا بد أن يكون لنا دورًا متغيرًا للعالم، ومؤثرًا في المجتمع.

أولاً: الكنيسة تصلي من أجل سلام العالم والوطن

X ففي صلاة الشكر نصلي من أجل أن "نُكمل هذا اليوم المقدس وكل أيام حياتنا بكل سلام".

X ونصلي من أجل أن يبطل الله "كل حسد وكل تجربة وكل فِعل الشيطان، ومؤامرة الناس الأشرار, وقيام الأعداء الخفيين والظاهرين". الأشياء والأشخاص الذين يسببون الاضطراب والقلق والحروب والمنازعات.

X ونصلي من أجل خلاص العالم، وهذه المدينة، وسائر المدن والكور والجزر .. (أوشية الموضع). "وكل مدينة وكل كورة والقرى وكل زينتها، ونجنا كلنا من الغلاء والفناء والزلازل والغرق والحريق وسبي البربر ومن سيف الغريب".

X ونصلي من أجل "كل الشعوب وكل القطعان باركهم، السلام الذي من السموات أنزله على قلوبنا جميعًا، بل وسلام هذا العمر أنعم به علينا إنعامًا".

X "رئيس الجمهورية والجند والرؤساء والمشيرين والجموع وجيراننا ومداخلنا ومخارجنا زينهم بكل سلام".

X فالصلاة من أجل الملوك والرؤساء وجميع مَنْ هم في منصب أمر كتابي، لأن في سلامهم سلامنا.. "اذكر يارب الذين تملكوا في التقوى، والذين هم الآن ملوك (ورؤساء)".. "اذكر يارب أخوتنا المؤمنين الأرثوذكسيين الذين في البلاط (الموظفين) وجميع الأجناد (الجيش)".

X ومن جهة رئيس الجمهورية نصلي أن يحفظه الله وينصره، ويتكلم في قلبه بالسلام.. "احفظه في سلام وعدل وجبروت، ولتخضع له كل البربر والأمم، والذين يريدون الحرب في جميع ما لنا من الخصب، تكلم في قلبه من أجل سلام كنيستك، أعطه أن يفكر بالسلام فينا وفي اسمك القدوس، لكي نعيش نحن أيضًا في سيرة هادئة ساكنة، ونوجد كائنين في تقوى وعفاف بك".

X وتصلي الكنيسة أيضًا من أجل طمأنينة العالم والهدوء في كل موضع.. "آباءنا وأخوتنا وبقية الذين في كل موضع من المسكونة أنفسهم وإيانا أحطهم بمعسكر القوات المقدسة، ونجنا من سهام إبليس المقتدة نارًا .. وتذكارهم الذي صار الآن، فليكن لهم عوض سور ثابت غالب على مضراب الشياطين ومؤامرة الأشرار".

X ونصلي من أجل معرفة الله في كل الأرض، لأن معرفة الله تنشر الخير والسلام والطمأنينة.. "عبادة الأوثان بالكمال أقلعها من العالم، الشيطان وكل قواته الشريرة اسحقهم وأذلهم تحت أقدامنا سريعًا، الشكوك وفاعلوها أبطلهم".

X ونصلي من أجل انتشار المحبة .. "يا إله المحبة ومعطي وحدانية القلب، ورازق الرأي الواحد الذي للفضيلة" (صلاة الصلح ? كيرلسي).. "أنعم لنا نحن عبيدك في كل زمان حياتنا التي على الأرض، لا سيما بالأكثر الآن ? بحاسة غير ذاكرة الشرور الأولى، ونية بغير رياء، وأفكار صادق وقلب محب للأخوة" (صلاة الصلح ? كيرلسي).

X الكنيسة تصلي من أجل جميع فئات الناس .. "حل الموبوطين، خلِّص الذين في الشدائد.. الجياع أشبعهم، صغيري القلوب عزهم" (طلبة القداس الكيرلسي).

X ونصلي من أجل المرضى .. "تعهدهم بالمراحم والرأفات، اشفيهم، انزع عنهم وعنا كل مرض وكل سقم، وروح الأمراض اطرده، والذين أبطأوا في الأمراض أقمهم وعزهم، والمعذبون من الأرواح النجسة اعتقهم جميعهم وارحمهم".

X ونصلي من أجل المحبوسين والمسبيين.. "أنعم عليهم بعودة سلامية إلى منازلهم" .. "الذين في السجون أو المطابق، الذين في النفي أو السبي، أو المقبوض عليهم في عبودية ما .. يارب أعتقهم جميعهم وارحمهم".

X ونصلي من أجل فئات كثيرة .. "والأرامل والأيتام والنساك والعلمانيين والمتزوجين، ومربي الأولاد الذين قالوا لنا اذكرونا والذين لم يقولوا، الذين نعرفهم والذين لم نعرفهم، أعداءنا وأحباءنا اللهم ارحمهم".

X ونصلي من أجل المسافرين بكل مكان .. "والذين يضمرون السفر بكل مكان سهّل طرقهم أجمعين .. أصحبهم في الإقلاع وأصحبهم في المسير، ارجعهم إلى مساكنهم بالفرح فرحين وبالعافية معافين".

X ونصلي من أجل الفقراء والأرملة والغريب والضيف .. وأن يعطي الله "معونة للمساكين".

ثانيًا: لا بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق

ولا تكتفي الكنيسة بالصلاة فقط من أجل كل هؤلاء، بل تساندهم عمليًا بالمال والجهد والتعزية وإعلان الحق. فالكنيسة لا بد أن يكون لها رأي في القضايا الإنسانية، وفي الدفاع عن المظلومين والمقهورين والمعذبين.

إن التاريخ الطويل للكنيسة المسيحية في العالم يشهد كيف أثرت في حركة التاريخ .. كيف أنهت نظام العبيد، وكيف حررت المرأة، وكيف أفرزت حضارة تحترم الطفل وتتكلم عن حقوق الجنين .. حضارة تهتم بالبيئة وتحترم الجسد والمادة، وتحترم رأي الآخر، وتقبل الحوار والمناقشة .. بينما تلتزم بفكر لا تحيد عنه فيما يخص الإيمان والعقيدة.

فالكنيسة تعلّمنا أن نتحاور دون أن نتشاجر، وأن أحترم رأي الآخر وعقيدته حتى لو لم أوافقه أو أعتقد بما يؤمن به.

وفيما نحن نكرز بموت الرب ونعترف بقيامته إلى أن يجيء علينا أيضًا ألا نفر من أي فكر مضاد لإيماننا، بل يكون واقع كرازتنا ما تقوله الليتورجيا في سر الكاثوليكون: "أن يبشروا في كل الأمم بالغنى الذي لا يستقصى الذي لرحمتك".. وكأن لسان حلنا يقول: "ذوقوا وانظُروا ما أطيَبَ الرَّبَّ!" (مز34: 8)

 



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +