Skip to Content

طقوس عماد الموعوظين ؟ القديس كيرلس الأورشليمي

طقوس عماد الموعوظين – القديس كيرلس الأورشليمي


Click to view full size image

 

عيد القيامة وطقوس العماد

ارتبط عيد القيامة في الكنيسة الأولى بطقس العماد. أما الآن ففي كنيستنا القبطية الأرثوذكسية خُصص يوم الأحد السابق لأحد الشعانين للعماد، ويدعى “أحد التناصير”.

سرّ ارتباط القيامة بالعماد هو أن عيد قيامة الرب محور حياة الكنيسة ومركزها. قيامة الرب هي الصخرة التي تتكئ عليها الكنيسة لتعيش مطمئنة وسط دوامة هذا العالم، لا تخاف أمواجه أو عواصفه أو شروره، تحيا على رجاء القيامة، مرتبطة بعريسها الذي لا يموت، متبررة، متقدسة به.

هذا الرجاء وذلك التبرير والتقديس لا يمكن أن نتمتع به إلاّ خلال المعمودية، التي فيها نُدفن مع الرب ونقوم، كقول الرسول: “أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع اعتمدنا لموته، فدٌفنا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أُقيم المسيح بمجد الآب هكذا نسلك أيضًا في جدة الحياة” (رو 6: 2-6).

خلال المعمودية نجتاز مع ربنا يسوع آلامه وموته ودفنه، ونختبر عمل قيامته وأمجادها وقوتها في أعماق حياتنا الداخلية. “عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطية، كي لا نعود نستعبد للخطية” (رو 6: 6).

من أجل هذا رتبت الكنيسة منذ القرون الأولى أن تقوم بعماد عدد كبير من الموعوظين ليلة عيد الفصح أو عيد القيامة، حتى يرفع المعمَّدون أنظارهم إلى قيامة الرب على الدوام ويعيشون بقوتها. وفي نفس الوقت ترفع أنظار المؤمنين في ليلة عيد القيامة ليذكروا عمادهم، فيعيشوا كأبناء الله مولودين منه بالروح للتمتع بقيامة الرب في حياتهم.

في عيد القيامة تختلط الأفراح وتمتزج المشاعر، إذ تقوم الكنيسة كلها مرتجة متهلِّلة بالمعمَّدين حديثًا بصورة علنية، تبعث في كل إنسانٍ ذكريات عماده، ليعيش سالكًا بما يليق به كإنسانٍ معمد، وفي نفس الوقت تهتز مشاعرهم لأجل هذه الثمار التي هي عمل الرب القائم من الأموات في الكنيسة خلال أعضائها الكهنة والشعب، السادة والعبيد، الشيوخ والأطفال… إنها ثمرة مبهجة، تفرح الرب القائم من الأموات، والنفوس القائمة به!

ويمكننا تلخيص مراسيم العماد في كلمات قليلة:

أولاً: تقديمهم للعماد

مع بداية صوم الأربعين المقدسة يختار الموعوظون الذين تطمئن الكنيسة لتقبلهم سرّ العماد، وتتعهدهم خلال الأربعين المقدسة بدراسات خاصة كما سبق أن رأينا. غير أنه لا يقف الإعداد لقبولهم في عضوية الكنيسة عند مجرد الاستماع إلى التعاليم أو حفظ التلاوات، بل كما يقول العلامة ترتليان[1]: [يجدر بالآتين إلى المعمودية أن ينشغلوا على الدوام بالصلوات والأصوام والمطانيات والأسهار، كل هذا مع الاعتراف بالخطايا السابقة.]

هكذا لا يليق تسليمهم عطية العماد بهدفٍ آخر سوى خلاص نفوسهم، أي تبرئتها من خطاياها وتمتعها بالشركة مع الرب. وهذا لن يكون بالنسبة للكبار بغير التوبة الصادقة والاعتراف بالخطايا والضعفات، مع المثابرة في الصلوات والأصوم والمطانيات والأسهار.

لهذا يخصص القديس كيرلس مقالاً كاملاً عن “التوبة عن الأخطاء السابقة” وأخرى عن “فاعلية التوبة في غفران الخطية”[2].

ويحدث القديس يوحنا الذهبي الفم طالبي العماد قائلاً[3]:

[لذلك يسبق هذا أن نتوب ونرفض أعمالنا السابقة الشريرة، وهكذا نتقدم للنعمة.


اسمع ما يقوله يوحنا، وما يقوله الرسول لمن اقتربوا للعماد. الواحد يقول: "فاصنعوا ثمارًا تليق بالتوبة. ولا تبتدئوا تقولون في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا" (لو 3: 8). والآخر يجيب سائليه: "توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح" (أع 2: 38).

ليته لا يرجع أحد فيمس ما قد تاب عنه! على هذا الأساس أمرنا أن نقول: "أجحدك أيها الشيطان"، كي لا نرتد إليه مرة أخرى.]

ثانيًا: فرز طالبي العماد

في يوم أحد الشعانين[4] يُفرز طالبو العماد، وقد وصف العلامة أوريجينوس[5] دقة الفحص الذي يليق بالكنيسة أن تقوم به من جهة الموعوظين، سواء قبلوا الإيمان بطريقة أو أخرى، حتى لا يُعمد إنسان دون التأكد من صدق نيته.

ويشبِّههم القديس كيرلس بالمنضمِّين إلى صفوف الجندية[6]، إذ يلزم الاهتمام بفحصهم قبل دخول المعركة، فكأعضاء في جيش المسيح الخلاصي، يحاربون الشيطان.

بعد الفرز من وُجد مستحقًا يحضر قدام الأسقف أو الكاهن وعندئذ:

1. يتلو طالب العماد قانون الإيمان علنًا.

2. يتقبل علامة الصليب من الأسقف.

3. يصلي الأسقف عليه.

4. يضع الأسقف عليه الأيدي.

ويعتبر المغبوط أغسطينوس أن تقبلهم علامة الصليب أشبه بالحبل بهم في أحشاء الكنيسة، إذ يقول لهم[7]: [إنكم لم تولدوا بعد بالعماد المقدس، لكنكم بعلامة الصليب قد حُملتم في أحشاء أُمُّكم الكنيسة.]

كما يقول لهم[8]: [إنهم تباركوا بعلامة الصليب، والصلوات ووضع الأيدي، وأنهم وإن كانوا لم يتمتعوا بعد بجسد المسيح، إلاّ أنهم ينالون شيئًا مقدسًا.]

ولعلَّه يقصد بالشيء المقدس الخبز المقدس (القربان) الذي يأكلونه. وإن كان بنجهام يرى أنه ملح مقدس، يستخدم كرمزٍ إلى أن المؤمنين ملح الأرض. وقد اعتمد في ذلك على ما ورد في اعترافات أغسطينوس أنه أكل ملحًا.

ومن عادة الكنيسة الأفريقية في أيام أغسطينوس أن يُدهن طالبو العماد بزيت مصلى عليه قبل عمادهم[9]. ولا تزال هذه العادة قائمة إلى يومنا هذا في كنيستنا حيث يدهن الكاهن الموعوظ وهو يقول: "أدهنك يا فلان باسم الآب والابن والروح القدس. زيت عظة لفلان في الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية".

ثالثًا: حمل المشاعل ولبس الثياب البيضاء

يبقى طالبو العماد طول أسبوع الآلام بغير وعظٍ اللهم إلا الاشتراك مع المؤمنين في التأمل حول آلام الرب يسوع وموته. هكذا يتوقف كل عمل للكنيسة في هذا الأسبوع عند شغل كل الأذهان بالرب المتألم من أجل البشرية!


هكذا يصير أسبوع الآلام فرصة ثمينة لطالبي العماد أن يتفرغوا عن كل عملٍ، حتى الاستماع للتعاليم، لكي تنطلق نفوسهم مشتاقة للتمتع مع المسيح في آلامه، وتزداد غيرتهم لحمل الصليب معه.

وفي ليلة عيد القيامة التي يسميها المغبوط أغسطينوس[10] أم جميع الأمسيات، يسهر طالبو العماد طول الليل حاملين مشاعل أو شموع أو مصابيح في أيديهم، لابسين الثياب البيض، لينالوا أسرار العماد والميرون والإفخارستيا.

يا لها من ليلة سماوية، تمتلئ الكنيسة بالفرح، وتمتزج تسابيح القيامة مع تسابيح البهجة بقبول النفوس الساقطة وإقامتها لتحيا كعروس مقدسة للرب السماوي!

لقد حق للقديس كيرلس الأورشليمي أن يدعو المعمودية "حجال العريس الداخلي". ففي هذه الليلة يرتدي المعمَّدون ثياب العرس البيضاء، رمزًا لتطهير الرب إيَّانا، وقبوله لنا في السماء الطاهرة، التي كل من يسكنها يلبس ثيابًا بيضاء.

يشير الثوب الأبيض إلى انعكاسات اشراقات المجد الإلهي على الإنسان، إذ في تجلِّي السيد المسيح "صارت ثيابه بيضاء كالنور" (مت 17: 2). هذا اللون كما يقول القديس إكليمنضس السكندري[11]: [لون الحق الطبيعي، إذ يلبسون الحق ويكون مجدهم.]

وتحمل الثياب البيض علامة الطهارة والنقاوة، كما تحمل سمة الغلبة[12].

أما المشاعل أو الشموع التي يحملها المعمَّدون الجدد، فبسب كثرتها يختفي الليل وظلامه، ولا يميِّز من بداخل الكنيسة الليل من النهار، بل تكون أشبه بسماءٍ منيرةٍ!

ويصف القديس غريغوريوس النيسي هذا المنظر البديع فيقول[13]: [في هذا الليل اللامع يختلط لهب المشاعل بأشعة شمس الصباح، فتخلق نهارًا مستمرًا واحدًا بغير انقسام، لا يفصله وجود ظلام.]

وتشير المشاعل إلى:

1. يقول القديس كيرلس إنها تشير إلى نور الإيمان الذي يضيء العقل.

2. نور المعرفة الإلهية، هذه المعرفة التي يقول عنها القديس مرقس الناسك[14]: [إنها تحفظ النفس في يقظة العقل، وتشددها حتى تبدد ظلام الجهل الخبيث. هذه المعرفة المنيرة لن تتحقق عمليًا في حياتنا إلاّ بالمعمودية.]

حقًا كما يقول القديس إكليمنضس السكندري[15]: [إن التعليم ينير النفس، إذ يكشف لها الأمور الخفيّة.]

وكما يقول القديس الأورشليمي[16] لطالبي العماد: [لقد سبق أن استنارت نفوسكم بكلمة التعليم، فإن كل واحدٍ منكم يكتشف شخصيًا عظمة العطايا التي يمتحنكم إيّاها الله.]

إذن يمكننا أن نقول إن الاستنارة تبدأ بالتدريج بتقبل الإنسان التعليم السليم، بكونه إعدادًا ضروريًا ونيّة عملية للعماد، ولكن لا تتحقق الاستنارة إلاّ في سرّ العماد، ويبقى الروح المنير فينا يضيء لنا مادمنا نقبل استنارته، ولا نطفئ فاعليته في حياتنا.

فطالبو العماد يُحسبون مستنيرين مجازًا من قبل نيتهم الصادقة لقبول "الاستنارة"، إذ ينتقل الإنسان من مملكة الظلمة - مملكة إبليس – إلى مملكة النور الحقيقي.

لهذا متى ذكر في كتابات الآباء كلمة "الاستنارة" ندرك في الحال أنه يتحدث عن المعمودية.

يقول القديس غريغوريوس النزينزي[17]: [الاستنارة وهي المعمودية... هي معينة الضعفاء... مساهمة النور... انتفاض الظلمة. الاستنارة مركب يسير تجاه الله، مسايرة المسيح، أُس الدين، تمام العقل! الاستنارة مفتاح الملكوت، استعادة الحياة!... نحن ندعوها هدية، وموهبة، ومعمودية، واستنارة، ولباس الخلود، وعدم الفساد، وحميم الميلاد الثاني، وخاتمًا، وكل ما هو كريم...]

ويقول الشهيد يوستينوس[18]: [هذا الاغتسال يُدعى استنارة، لأن الذين يتعلمون هذه الأمور يستنيرون في فهمهم.]

ويقول القديس إكليمنضس الإسكندري[19]: [إذ نعتمد نستنير، وإذ نستنير نتبنى، وإذ نتبنى نكمل... ويدعى هذا الفعل بأسماء كثيرة أعني: نعمة واستنارة، وكمالاً، وحميمًا... فهو استنارة، إذ به نرى النور القدوس الخلاصي، أعني أننا به نشخص إلى الله بوضوح.]

3. إشارة إلى مصابيح موكب العرس الأبدي حيث تُزف النفس البشرية عروسًا للمسيح. فخلال المعمودية ننال التبنّي، إذ نتحد به... هذا الاتحاد السري المقدس بين النفس والله يدعى عُرسًا.

لذلك يحمل المعمَّدون حديثًا مصابيح عرسهم، وذلك كما جاء عن العرس الأبدي، حيث يتم في أكمل صورة. إذ يقول الرب: يشبه ملكوت السماوات عشر عذارى، خمس منهن حكيمات حاملات مصابيح متقدة، مستعدات للدخول مع الخدر السماوي.

هكذا يقول القديس غريغوريوس النزينزي[20]عن هذه المصابيح: [إنها تحمل معنى سري عن عملية الإنارة، حيث تدخل النفوس اللامعة البتول لتقابل العريس بمصابيح الإيمان المتلألئة نورًا.]

رابعًا : جحد الشيطان

عند جرن المعمودية يقف الموعوظ ووجهه إلى الغرب، أو تقف الأم أو الأب أو الإشبين حاملاً على ذراعه الأيسر الطفل، ويعلن جحده لإبليس، ورفضه مملكة الظلمة بجسارة علانية[21].

قبل أن نُدفن مع المسيح يسوع، النور الحقيقي، يلزمنا أن نعلن جهارًا وبصراحة رفضنا للشيطان وكراهيتنا لأعماله، أي رغبتنا في التحرر من عبوديته.

هذا الرفض، كما يقول العلامة ترتليان[22]: [يتم أولاً في الكنيسة تحت يد الأسقف، ومرة أخرى قبيل الدخول في الماء مباشرة.]

أما مصدر هذا الطقس، فكما يقول القديس باسيليوس الكبير هو التقليد، إذ يقول[23]:

[إننا نبارك ماء المعمودية وزيت المسحة كما نبارك المعمد نفسه أيضًا.

أي وصايا مكتوبة علمتنا أن نفعل هذا؟! أليس من التقليد السري المقدس؟!

وأيضًا الدهن بالزيت، أي كلمة في الإنجيل علمت به؟!

وأين ورد تغطيس الإنسان ثلاث مرات؟

أي كتاب جاء بكل الأمور اللازمة للعماد وجحد الشيطان وملائكته؟! ألم يأتِ إلينا من التعليم السري الذي حافظ عليه آباؤنا في صمت دون أن (يُكتب) كتعليم عام...

إذن لا تبحثوا الأمر بتطفلٍ... لأنه كيف يحق تعميم تعليم الأسرار كتابة، هذه التي لا يُسمح لغير المعمَّدين حتى أن يطلعوا عليها؟!]

خامسًا: الاعتراف بالإيمان

يقول القديس كيرلس[24]: [إن طالب العماد يحوِّل وجهه من الغرب إلى الشرق مكان النور، معلنًا رفضه مملكة الظلمة وقبوله الانتساب لمملكة النور.

هذا الاعتراف العلني يتم في بعض الكنائس يوم الخميس المبارك حسب قانون 46 لمجمع لادوكية[25]. إلاّ أن قوانين الرسل تطالب بأن يكون ذلك قبل العماد مباشرة. وهذا ما يحدث في كنيستنا إلى يومنا هذا، حيث يوجه الموعوظ وجهه ناحية الشرق، أو يقوم الإشبين بذلك، حاملاً الطفل على يده اليمنى، معلنًا اعترافه بالثالوث القدوس والكنيسة الواحدة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم[26]: [إن كان المعمَّدون أطفالاً أو صُمّـًا لا يستطيعون استماع التعليم، يجاوب أشابينهم عنهم. وهكذا يُعمَّدون حسب العادة.]

وما يعلنه الموعوظ أو الإشبين من جحد الشيطان والاعتراف بالإيمان هما من ضمن برنامج التلوات Exorcism التي يقوم المعلِّمون بتحفيظها لطالبي العماد، كصلواتٍ قصيرةٍ فعّالة، يستخدمها الإنسان كل أيام غربته في محاربته للأفكار والشهوات الخ. وقد تحدّث القديس كيرلس عن أهميتها[27]. كما تحدث عنها الذهبي الفم[28] قائلاً: [بعدما تسمعون تعليمنا تخلعون صنادلكم ويعرونكم وتسيرون عراة حفاة الأقدام، مرتدين فقط التنك[29] الذي لكم Your tunic لكي تنطلقوا بالتلوات.]

سادسًا: المسح الأول بالزيت

يبدو أن كل الخطوات السابقة كانت تمارس في البهو الخارجي للمعمودية، بعدها يعبر طالب العماد الذي مارس الاعتراف وجحد الشيطان وقبل الشركة مع المسيح، يسير حافي القدمين عاريًا من كل الملابس ماعدا التنك إشارة إلى خلع الإنسان العتيق وأعماله كقول القديس كيرلس[30]: [كما يرى أيضًا أن فيه إقتداء بالسيد المسيح الذي عُلق على الصليب عاريًا. وبعريه هذا نتذكر آدم الذي كان في الفردوس عاريًا ولم يخجل. ثم يدهن الشخص بزيت مُصلى عليه من شعر رأسه إلى قدميه[31].]

هذا ولم يذكر العلامة ترتليان شيئًا عن هذه المسحة، لكن ذكرها الشهيد يوستينوس[32].

سابعًا: العماد

بعد مسح الشخص بالزيت يُقاد الشخص إلى بركة المعمودية المقدسة المملوءة ماء[33].

وإننا نلاحظ أن جميع المعموديات القديمة معموديات ضخمة. وكثيرًا ما يكون لها سُلَّمين، ينزل على أحدهما الموعوظون، والثاني يقف عليه الكاهن الذي يتمم مراسيم العماد. وضخامة حجم المعموديات جعلت البعض يرى أن الكنيسة الأولى كانت تعمد جماعات معًا في نفس الوقت.

أما عن قداس المعمودية الذي به يتقدس الماء، فإنني أرجو أن يهيئ الله لي مجالاً آخر لشرحه.

لكن في داخل المياه المصلى عليها، المقدسة، يقول القديس كيرلس: [إن طالبي العماد يعلنون ما يسمى "بالاعتراف المخلص The Saving Confession" وهو يحمل اعترافًا مختصرًا جدًا للإيمان المسيحي المستقيم. يُسأل المعمد ثلاث أسئلة: أتؤمن بالآب؟ أتؤمن بالابن؟ أتؤمن بالروح القدس؟ وفي كل مرة يجيب بالإيجاب.]

ويذكر القديس كيرلس السكندري[34]، أن الكاهن يسأله ثلاث مرات عن الإيمان بالسيد المسيح. أما العلامة ترتليان[35] فيقول إن الأسئلة لا تخص إيمانه بالثالوث القدوس فحسب بل والكنيسة أيضًا.

ثامنًا: الغطسات الثلاث

يقول المرحوم حبيب جرجس في كتابه: "أسرار الكنيسة السبعة"، إنه طبقًا للتسليم الرسولي تمارس الكنيسة سرّ المعمودية بتغطيس المعتمد ثلاث مرات في الماء باسم الثالوث القدوس: الآب والابن، والروح القدس.

ويرى القديس كيرلس الأورشليمي[36] أن هذه الغطسات الثلاث لا تحمل فقط إشارة إلى الثالوث القدوس، بل وأيضًا هي دفن مع المسيح الذي بقي مدفونًا ثلاثة أيام.

ويقول القديس باسيليوس[37] [بثلاث غطسات ودُعاء مساوٍ لها في العدد يتم سرّ المعمودية العظيم، لكي يتصور رسم الموت، وتستنير نفوس المعمَّدين بتسليم معرفة الله .]

بعد الخروج من الماء لم يذكر القديس كيرلس عما ذكره بنجهام[38] من ممارسة المعمَّدين الجدد قبلة السلام وأكلهم خليطًا من اللبن والعسل.

لقد ذكر ترتليان[39] عادة أكل اللبن المخلوط بالعسل. ولعل أكلهم اللبن يحمل رمزًا للبن النقي غير الفاسد الذي تقدمه الكنيسة لأولادها خلال إيمانها وطقوسها وعباداتها غذاء لنفوسهم. والعسل يشير إلى وصايا المسيح العذبة في فم أولاده، أحلى من العسل وقطر الشهد.

تاسعًا: المسحة أو التثبيت

ذكر القديس كيرلس[40] مقالاً كاملاً بخصوص "المسحة بزيت الميرون" بعد العماد يتم كعمل سري مقدس Sacremental 0 هذا الطقس قديم جدًا في الكنيسة، ويظهر ذلك من أقوال الآباء.

فيقول الأب ثاوفيلس الأنطاكي[41] من رجال القرن الثاني (115-181م)، "إننا ندعى مسيحيين لأننا نُدهن بمسحة الله".

وأيضًا العلامة ترتليان[42] بعد حديثه عن العماد يقول: [بعد الخروج من الجُرن نُدهن في الحال بمسحة مكرسة.] ويقول: [بعد هذا تُوضع اليد علينا في منح البركة والابتهال، مستدعين الروح القدس.]

كما يقول[43]: [غُسل الجسد لكي تتطهر النفس!

دُهن الجسد لكي تتقدس النفس!

رشم الجسد (بالصليب) لكي تُحفظ النفس!

وُضع اليد عليه لكي تستنير النفس بالروح!]

يقول الشهيد كبريانوس[44]: [ينبغي على من اعتمد أن يُمسح أيضًا، لكي يصير بواسطة المسحة ممسوحًا، ويأخذ نعمة المسيح.]

أما عن عمل هذا السرّ في حياتنا وفاعليته فينا، فقد سبق لي شرحه، وقد سبق أن عرضت لبعض أقوال الآباء فيه[45].

وإنما أكتفي هنا بالقول أن هذا الرشم يتم على جميع أعضاء الجسد لكي تصير كل الأعضاء والحواس، وكل طاقات النفس قدس للرب.

بالميرون انتقلنا من ملكيتنا لذواتنا لنصير بكليتنا ملكًا للرب.

وقد شرح القديس كيرلس المعنى الرمزي لكل رشم كما سنرى في مقالاته عن الأسرار إن شاء الرب وعشنا.

حقًا لقد اختلفت الكنائس في أماكن الرشم، لكن الجميع اتفق على ضرورتها، خاصة رشم جبهة المعمد بعلامة الصليب. ويسميها القديس كيرلس بـ "العلامة الملوكية"، "السمة الملوكية التي تحملها جبهة جنود المسيح"، "ختم التبعية للروح القدس"[46].

عاشرًا: منظر روحي سماوي

بعد إتمام سرَّي العماد والميرون يلبس المعمَّدون الجدد ثيابًا بيضاء، ويحملون المشاعل. في هذه اللحظات تدوي في الكنيسة تسابيح الفرح والتهليل. وكما يقول القديس كيرلس[47]: [إن السماء ذاتها تتهلل والملائكة السمائيون يرددون "طوبى للذي غفر إثمه وسترت خطيته".]

وفي طقس الكنيسة إلى اليوم ينشد الشمامسة قائلين للمعمد: "أكسيوس، أكسيوس، أكسيوس"، أي مستحق، مستحق، مستحق. بدم المسيح صار له هذا الاستحقاق أن يدعى ابن لله.

في طقس الكنيسة إلى الآن توجد تسابيح شكر لله من أجل نعمه على بني البشر، كما يلبس المعمَّدون أكاليل، هي رمز لحياة النصرة التي بدأت منذ لحظة العماد، لكنها لا تكمل إلاّ خلال الجهاد ضد إبليس وشروره حتى النفس الأخير، حيث تنطلق النفس إلى الفردوس منتظرة إكليل مجد أبدي في كماله.

ثم يدخل الكل بين صفوف المؤمنين فتمتلئ الكنيسة، ويشترك الكل معًا في التناول من الأسرار المقدسة.

يا لها من فرحة الشعب كله!

يرون كنيسة الله التي لا تشيخ، بل ككرمةٍٍ مخصبةٍ دائمة الإثمار.

يرونهم لابسين الثياب البيضاء، فيذكر كل منهم ثوبه المقدس الذي تسلّمه يومًا عند عماده، عربونًا للثوب السماوي!

وإذ يتطلعون إلى الشموع، ترتفع أنظارهم إلى النور الحقيقي، ذاكرين أنهم أبناء نور، لا تليق بهم أعمال الظلمة.

يسمعون تسابيح الفرح، فتهتز أصوات الكل: ملائكة السماء، أبناء الفردوس المؤمنون، المعمَّدون حديثًا... بفرح وتسبيح وشكر لله محب البشر!

حادي عشر: أسبوع الثياب البيضاء

بعد التناول يبقى المعمَّدون الجدد أسبوعًا كاملاً في الكنيسة لا يخلعون فيه ثيابهم البيضاء، أسبوع الفرح بميلادهم الجديد.

وأخيرًا نختتم قولنا بما ذكرته الراهبة اثيريه الأسبانية[48] التي جاءت إلى القدس في القرن الرابع [عندما تأتي أيام الفصح ولمدة ثمانية أيام يتوجه المعمَّدون مرتّلين الأناشيد إلى كنيسة القيامة، وبعد الانتهاء من الطقوس التي بعدها يخرج غير المعمَّدين تُقام صلاة خاصة ويبارك الأسقف المؤمنين ثم يقف وراء الحاجز الذي يقوم أمام مغارة القيامة ويشرح وهو مستند على هذه المغارة كل ما يُعمل في العماد.

وفي هذه اللحظة لا يجوز للموعوظين أن يدخلوا كنيسة القيامة، وللمعمدين حديثًا والمؤمنين فقط الذين يريدون سماع العظات عن الأسرار أن يدخلوا وحدهم.

فتغلق الأبواب لكي لا يدخل أحد الموعوظين، بينما الأسقف يشرح كل هذه المسائل، يهتف السامعون له بأصوات قوية بحيث تُسمع في خارج الكنيسة، لأنه يشرح لهم هكذا شرحًا واضحًا وقويًا، حتى أنه لا يستطيع أحد أن يحبس شعوره أمام ما يسمعه!]

 


[1] Tert. On Baptism 20.

[2] المقال 1، 2.

[3] Chrysostom: Instructions to Catechumens.

[4] القديس كيرلس الأورشليمي لموريس فيرسل.

[5] Cf. Origin: Against Celsum 3: 51.

[6] مقال 1 :3، 3: 3، 13، 4: 36، 21: 24.

[7] Augustine:. De Symbole Sermon De Catechumens.

[8] Augustine: De Paccotrum meities 2: 42.

[9] Cf. N & P N Fathers, Series. 2 Vol 7.

[10] القديس كيرلس الأورشليمي لموريس فيرسل.

[11] Clem Alex: Paedagogus.

[12] راجع: من تفسير وتأملات الآباء - سفر الرؤيا طبعة 69 ص 99 -100.

[13] Greg. Nyssa: Oration on Resurrection.

[14] الفيلوكاليا ج 1 طبعة 1966 ص 88، 89.

[15] Clem. Alex.: Stromata 5: 2: 15 & 5: 10: 65.

[16] مقال 18: 32.

[17] الحب الإلهي طبعة 67 ص 855. 856.

[18] يوستينوس: دفاعه الأول 61.

[19] الحب الإلهي ص 854 - 855.

[20] Greg Nez. Oration on Baptiosm.

[21] راجع كيرلس: مقالاته عن الأسرار 1: 2.

[22] Tert: The Chaplet 3 & The Shows 4.

[23] Basil: The Holy Spirit 27.

[24] الأسرار 1: 9.

[25] N. &P. N. Fathers. Seris 2. Vol 7.

[26] الذهبي الفم: شرح مز 14.

[27] المقال الافتتاحي.

[28] Chrys. Ad Illuminadas 1: 2.

[29]يطلق التنك على:

أ. رداء كهنوتي ربما "التونية". البيضاء التي يلبسها الكاهن أو الشماس أثناء الخدمة في المذبح.

ب. سترة قصيرة ضيقة كان يرتديها الجنود والشرطة.

ج. رداء إغريقي أو روماني طويل.

[30] الأسرار 2: 2.

[31] Const. Apost. 7: 34.

[32] Justin Mart : Responsiones ad Orthodoxos.

[33] الأسرار 2: 4.

[34] Bingham: Antiq. 11: 7 & 11

[35] Tert.: On Baptism 7.

[36] الأسرار 2: 4.

[37] باسيليوس: الروح القدس 15 (راجع الذهبي الفم: إنجيل يوحنا عظة 2:25؛ أمبروسيوس الأسرار 2: 7؛ جيروم ضد لوقيون 4).

[38] Bingham: Antiq. 12: 4 & 5 & 6.

[39] Tert: The Chaplet 3.

[40] الأسرار 3: 1.

[41] Thuf : Ad Antolycum 1

[42] Tert: On Baptism 7 & 8.

[43] Tert. On resur. Flesh 8.

[44] كبريانوس رسالة 7. راجع أقوال الآباء في أسرار الكنيسة السبعة لحبيب جرجس.

[45] الحب الإلهي - الله مقدسي، مقال سر الميرون أو التثبيت.

[46] مقال 4: 14، 12: 8، 18: 33..

[47] مز 32: 1 - مقال 1.

[48]القديس كيرلس الأورشليمي لموريس فيرسل.



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +