Skip to Content

في إثر تلاميذ مار مارون الشُهداء الثلاثمئة والخمسين - انطوان افرام سلامه







في إثر تلاميذ مار مارون الشُهداء

الثلاثمئة والخمسين

تُبهِرُني المسيحيَةُ بِشُهدائِها وتَستَوقِفُني كنيسَتي الانطاكيّة السريانيّة المارونيّة في الحادي والثلاثين من شهرِ تمّوز بعيدِ رُهبانِها الشُهداء الثلاثمئة والخمسين _ تلاميذ مار مارون. وشهادَةُ الكنيسة هيَ على مرِّ الزمن شهادةٌ للمسيح، تُظهِرُ لجميع الناس حقيقة ابن الله الذي تجسَّدَ وصار انسانًا مثلنا وعاشَ بيننا، تألَّمَ وصُلِبَ وماتَ من أجلنا ثُمَّ قامَ ليُخَلِّصنا ويهبنا الحياة الأبدية. وكلُّنا مدعوون لهذه الشهادة اِنما بطرقٍ مُختلفة.

فهناكَ شهادة الحياة التي فيها نشهدُ للمسيح بسيرتنا وكلامنا في العائلة والمجتمع والوطن. وهُناكَ الشهادة في التعليم عملاً بوصيَّة السيد:(أن اِذهبوا وتلمذوا جميع الأُمم)(متى28/19). وتبقى شهادة الدم أعظم وأسمى شهادة في قبولِ العذاب والموت من أجل المسيح، اِذ يُعطي المسيحي معنًى لحياته وموته، اِنَّهُ يُشارك بذلك في شُرب الكأس المريرة التي قبلها يسوع من أجل خلاصنا، فيتعذَّب ويموت ليحيا مع المسيح القائم من الموت ليُخلِّص العالم. ولا تُفهَمُ شهادة الدم اِذا كانت في سبيلِ خلاصِ نفسٍ ودخول الحياة الأبدية، بل هيَ شهادةٌ أي تأكيدٌ واِظهارٌ واِثباتٌ لشهادة ذاكَ الذي (صار انسانًا لكي يصير الانسان الله)(من القديس ايريناوس).
وتلكَ القافلة من الرهبان تلاميذ مارون، شهدت بكُّلِ ما أوتيت بأنَّ يسوع لبس طبيعتنا البشريّة كاملةً يومَ تجسَّدَ وصارَ انسانًا، فكانَ الاله والانسانَ معًا. وسيرةُ حياة أولئك الرهبان واستشهادهم لغنيَّةٌ حقًّا من الناحية التاريخية والثقافية والدينية.
فيومَ انطلقَ الرسل ينقلونَ )البُشرى السّارة) الى مُختلف أقاصي الأرض، كان لانطاكيا النصيب الأكبر، فهيَ عاصمة الاقليم الشرقي في الامبراطورية الرومانية اِذ كانت تُدعى (بتاج الشرق الجميل)، وفيها أسَّسَ رئيس الرسل بطرس كُرسيه وفيها (دُعيَ التلاميذ ولأوّل مرة مسيحيين)(رسل 11/26). وقد انتشرت المسيحية في جوار انطاكيا في بلاد ما بين النهرين وفي رحاب الفُرات الأعلى ورافدية البليخ والخابور.
اِنطلقَ دين المسيح فترسَّخَ وانتشرَ تدريجيًا في تلك الأصقاع حتى بلغَ أوجه في القرن الرابع في مجال البشارة ونطاق العبادة. فشعَّت المدارس نورًا يُرشِدُ النشء ويدحضُ الأوثان، وفاحت القفارُ طُهرًا يُقَدِّسُ الرهبان وغصَّت المغاور بالنُسَّاك.
فظهرَ مار أفرام السرياني (300_373) ينشر تعاليم الانجيل ويُنَظِّم الأناشيد والأشعار والصلوات مُحاربًا بها الوثنية والبدع والهرطقات.
وكتبَ أفراهاط الحكيم الفارسي وبالاي ويعقوب السروجي وغبرهم العديد من المقالات والكتابات.

وابتكرَ مار مارون طريقةَ نُسكٍ جديدة (النسك في العراء) فاختفى في مجاهل القورشية الواقعة الى الشمال الشرقي من انطاكية، حتى لاقى ربه سنة 410.
ورُغمَ انقطاعه عن العالم، لحق به العالم، ففاحَ طيب فضائله مُعطِّرًا الأجواء، وتهافتَ اليه الناس يخترقون عزلته، مُسترشدين ومصلين. ويقتفي بعضهم اِثره في التنسُّك الفردي، ويؤثر البعض الآخر الترهب الجماعي في الأديار، ومن كانَ له عائلة كانَ يسكن معها في جوار الأديار، فكانت نواة الكنيسة السريانية المارونية.
وكانَ لابُدَّ لهذا النشاط التعليمي أن يؤدِّي الى الجدل النظري في المُعتَقَد، اِنطلاقًا من مفهوم هذا الحبر أو ذاك الأسقف لخصائص المسيح، وكانت ذروته في القرن الخامس. وما كانَ لهذا الجدل ان يكبر سوى حُبًّا وتعلُّقًا بالمسيح.
نادى نسطوريوس بطريرك القسطنطينية(428 ) أنَّ في المسيح شخصين مُختلفين، الاله والانسان. فكانت النسطورية في بلاد فارس والعراق وقيلَ لأتباعها (الأشوريون). ناوأتها المونوفيزية في أنحاء آسيا الغربية على يد أوطيخا(378_455) مؤكِّدًا أنَّ في المسيح طبيعة واحدة هي الالهية. فدعمها بطريرك انطاكيا ساويروس(460_538) ثُمَّ ناضلَ في سبيلها يعقوب البرادعي(+578) مطران الرها وبلاد الشام، حتى أخذَ بها الغساسنة، فقيلَ لأتباعها اليعاقبة. وتكاثرت النظريات والمذاهب المتفرقة، والمسيحيون يتبارون فيما بينهم خصامًا عنيفًا وحربًا عوانًا طالَ الأباطرة أنفسهم. وتلاميذ مار مارون في أديارهم ومناسكهم بمنأى عن تلكَ المُشاحنات، يوالونَ الاهتمام بالرعايا ويُحافظونَ على وديعة الايمان التي تلقوها من أبيهم مارون. فاصبحوا عرضة للاضطهاد يُصيبهم من مختلف الفرقاء. ظلّوا على ايمانهم بوحدانية أقنوم المسيح في طبيعته الالهية والانسانية، غير مُكترثين بما تُقرِّر المجامع المسكونية أو المؤتمرات المُضادة، وجاءَ المجمع الخلقيدوني سنة 451 يُثَبِّت ايمانهم هذا، فازدادَ السريان المونوفيزيونَ تَصَلُّبًا ونقمةً على من لا يُجاريهم بعقيدتهم.
وأصحابُ العيد الرهبان الشهداء الثلاثمئة والخمسين _ تلاميذ مار مارون كانوا يقطنون أديار سوريا الشمالية قرب لبنان الشمالي وكانوا شديدي التمسُّك بالمُعتَقَد الكاثوليكي وفقًا لتعليم المجمع المسكوني الرابع الخلقيدوني(سنة451) القائل بأنَّ في المسيح طبيعتين الهية وانسانية.
قامَ عليهم ساويرا بِمُساعدة الملك أنسطاس، الذي كانَ نصَّبَهُ بطريركًا على انطاكيا فقتلَ منهم ثلاثمئةٍ وخمسينَ راهبًا في السنة 517. فرفعَ أخوانهم الأحياء عريضةُ الى الحبر الروماني البابا هُرميسدا(514_ 523)، يُبيِّنونَ له كيفية استشهاد اخوانهم هؤلاء. وما ألحقه بهم من الأضرار البطريرك ساويرا ورفيقه بطرس القصَّار وأتباعهما. فأجابهم البابا برسالةٍ مؤرَّخَةٍ في السنة التالية، أي سنة 518، فيها يُعزِّيهم ويحُثَّهُم على ان يُقاوموا الاضطهاد بشجاعة. وقد أثبتَ المؤرخون، وأخصهم تاوفانوس وتاوفيلوس الرّهاوي الماروني، حقيقة اضطهاد ساويرا للكاثوليك ولا سيما الرهبان، وقتله عدداً وافرًا منهم، مُشيرين بذلكَ الى هؤلاء الرهبان الشهداء الثلاثمئة والخمسين.
تلكَ كانت مسيرتنا في التعرُّف على باكورة شُهداء الكنيسة المارونية، ومهما قيلَ عن الظروف والأوضاع التاريخيّة التي استُشهِدوا خلالها، فانَّهُ يَصُّحُ فيهِم ما كَتَبَهُ الموارنة من (كُنوزٍ) في القرنين الحادي عشر والثاني عشر في (البيت غازو الماروني) ألحان للشهداء(تعريب الأباتي يوحنّا تابت): (وُهِبَت المرجانةُ(أي يسوع المسيح) للشَّعب الأحمَق، فأضاعها وخَسِرها; وخَرَجَ الشُهداءُ في طَلَبِها، فَرأَوها مُعَلَّقَةً على الخَشَبة. حَنوا أعناقَهُم وسجَدوا لها وتاجروا بها فاغتَنوا بها. المجدُ للموهبةِ التي وُهِبَت للذينَ يَستَحِقونها). صلاتُهُم معنا
                                                      انطوان افرام سلامه- جريدة الأنوار 30.07.2008

 

 



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +