Skip to Content

ذكرى ميلاد السيدة العذراء والدة الإله مريم - بطريركية السريان الأرثوذكس

ذكرى ميلاد السيدة العذراء والدة الإله مريم
بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس
 


في ميدان دراستنا لتاريخ حياة العذراء القديسة مريم وتأملنا بسيرتها الطاهرة، لا بد أن نستند إلى أسفار الوحي الإلهي وما تركه لنا آباء الكنيسة من دراسات واسعة في تفسير الكتاب المقدس، فبحسب تعاليم هؤلاء الآباء أن عشرات النبوات التي أعلنها الوحي الإلهي ودوّنت في الأسفار النبوية في العهد القديم قد تمت في العذراء مريم، كما أن الآباء رأوا في بعض شخصيات الكتاب المقدس وحوادثه رموزاً وإشارات إليها. فهي المرأة المقصودة بوعد اللـه تعالى للإنسان بالخلاص بقوله تعالى: «ونسل المرأة يسحق رأس الحية»(تك 3: 15) ونسلها المسيح يسوع الذي حُبل به فيها من الروح القدس وليس من زرع رجل، وهي حواء الجديدة، كما أن ابنها المسيح هو آدم الجديد، وإذا كان اللـه قد أخذ ضلعاً من جنب آدم وصنع منه حواء المرأة الأولى، ففي تجديد الخليقة ولد الإله المتجسد وهو آدم الثاني من العذراء التي هي حواء الثانية. وهي العذراء التي قال عنها النبي اشعيا (القرن الثامن ق.م) نبوته الشهيرة: «هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل»(اش 7:14) الذي تفسيره اللـه معنا (مت 1: 23) وقد تناول الآباء بكتاباتهم هذه النبوات والرموز والإشارات وضم بعضها إلى كتب الصلوات، وإليك جزءاً مما دون في كتاب فرض الصلاة الأسبوعي (الإشحيم) فقد جاء في القومة الأولى من صلاة ليلة الأربعاء ما ترجمته: «أطلق الصديقون الأولون على مريم ابنة داود، العذراء القديسة، أسماء جميلة وبهية، فحزقيال ابن السبي سمّاها باباً مغلقاً وسليمان دعاها جنّة موصدة وينبوعاً مختوماً، وداود دعاها مدينة نبت فيها المسيح عشباً، دون زرع، وصار مأكلاً للشعوب. وفي يوم ميلاده حررنا من اللعنة».

العذراء مريم من خلال نبوات الكتاب المقدس:

وفي صلاة صبح الثلاثاء نقرأ ما ترجمته: «إنَّ العوسجة التي رآها موسى على جبل سينا ترمز إليك أيتها العذراء القديسة، فالعوسجة تمثل جسدك المقدس، وأوراقها التي لم تحترق ترمز إلى بتوليتك هاليلويا وهاليلويا والنار التي في العوسجة ترمز إلى اللـه الذي حلَّ فيك...».
وفي صلاة مساء الأربعاء نقرأ ما ترجمته: «إنَّ المركبة التي رآها النبي المختار حزقيال لا تطال جمالك، فالحيوانات المشدودة إليها والكاروبيون يباركون. وصور الوجوه الأربعة، أي صورة الأسد والثور والنسر والإنسان يختلف بعضها عن بعض. أما ركبتاك أيتها الأم المباركة فقد صارتا له مركبة، وذراعاك صارتا له عجلة، وفمك يرنّم المجد».
وجاء في صلاة مساء السبت ما ترجمته: «لقد رمز إليك موسى بالعليقة (يا مريم) ورمز إليك أبوك داود بتابوت العهد، وجدعون بالجزة ويعقوب الصدّيق بالسلم الذي ارتقى به الجنس البشري إلى السماء».
وجاء في طلبة لمار يعقوب ضمن صلاة صبح الأربعاء ما تعريبه: طوباك يا مريم فإن تابوت العهد الذي صنعه موسى كمثال، يرمز إليك بصورة سرية، فقد احتوى اللوحين اللذين كتبهما اللـه، وأما أنت يا مريم فقد حويت خبز الحياة الحقيقي.
وفي صلاة صبح السبت نقرأ ما ترجمته: «لقد رمزت إليك الصخرة التي نبعت منها الأنهر في البرية، أيتها البتول القديسة، فقد أشرق منك للعالم ابن اللـه الذي هو صخرة الحق على حد قول الرسول بولس.. أيتها العذراء الممتلئة فتنة عنك تنبأ الملك داود قائلاً: إنَّ ابنة الملك قامت (عن يمين الملك) بمجد وقداسة، واشتهى الملك جمالها فنزل وحلَّ في حشاها».
هذا وقد رأى بعض الآباء رموزاً أخرى تشير إلى العذراء كالشجرة التي وجدت في جبل موريا وحملت كبشاً خلص اسحق من الذبح، وعصا هارون التي أزهرت وأثمرت لوزاً. وغير ذلك.
نسب العذراء:
تنتمي العذراء القديسة مريم إلى سبط يهوذا وهي من نسل داود، وتتصل بصلة القرابة مع اليصابات أم يوحنا المعمدان التي تدعى في الإنجيل المقدس نسيبة العذراء (لو 1: 36) ويقال أنها كانت خالتها. كما أنَّ سالومي زوجة زبدي وأم يعقوب ويوحنا هي الأخرى تمّت بصلة القرابة إلى العذراء مريم (مت 27: 56 و 19: 25) وقد وردت في الإنجيل المقدس سلسلة نسب السيد المسيح من ناحية يوسف خطيب العذراء (مت 1: 16 و لو 3: 23 و أع 2: 20 و رو 1: 3) والعذراء ويوسف هما من سبط واحد. فالعذارء مريم إذاً هي سليلة الكهنة والملوك والأنبياء، وهي ابنة داود، ولذلك قال لها الملاك لما بشّرها بالحبل الإلهي: «ستحبلين وتلدين ابناً... يكون عظيماً وابن العلي يدعى... ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد...»(لو 1: 31 ـ 32).
العاقران يواكيم وحنة والدا العذراء مريم:
ويذكر لنا التقليد الكنسي المستند إلى تعاليم الرسل، أنّ والدي العذراء مريم هما يواكيم وحنة، وأن أبا حنة هو الكاهن متّان من سبط لاوي ومن آل هارون، وأنَّ والدة حنة هي مريم من سبط يهوذا. وأن يواكيم وحنة كانا يقيمان في قرية بالقرب من الناصرة من أعمال الجليل وكانا ميسورين ويوزعان أرباحهما على الهيكل والفقراء، وما تبقى لهما يسدان به حاجتهما. وكانا عاقرين وبارّين أمام اللـه وسائرين بحسب نواميسه الإلهية، وكان العقر، لدى اليهود يعتبر لعنة من اللـه، وعاراً أمام الناس، ذلك أنَّ كلَّ فتاة يهودية كانت تطمح وتصلي أن يولد منها المسيح ماسيا المنتظر، فكان يواكيم وحنة يواظبان على الصلاة والطلب إلى اللـه ليزيل العار عن دارهما، وهكذا بلغا سن الشيخوخة دون أن تستجاب طلبتهما. ويُحكى أن يواكيم أتى مرّة إلى هيكل الرب ليقدم تقدمة فرفض الكاهن التقدمة لأنَّ مقدمها (عاقر) فعاد يواكيم إلى داره مغتمّاً، كسير القلب، ذليلاً، وأكثر من البكاء أمام اللـه، تشاركه بذلك زوجه حنة، فاستجاب اللـه طلبتهما ورزقهما ابنة سمياها مريم. وهو اسم سرياني مركب من (مور) و(يام) ومعناها بحر المرارة. وقال بعضهم إنَّ معنى كلمة (مريم) نجمة البحر، وكذلك النور.
الحبل بالعذراء مريم وولادتها:
لا بدَّ أن نذكر هنا أن الحبل بالعذراء مريم قد تم حسب الناموس الطبيعي، فهي من رجل هو يواكيم وامرأة هي حنة. وأنَّ العذراء ابنة ا لعاقرين كإسحق وصموئيل ويوحنا المعمدان. وأنها مثل هؤلاء وكسائر الناس قد ورثت عن أبويها خطية أبوينا الأولين آدم وحواء التي تسمى الخطية الأصلية أو الجدية، التي تشمل كل الإنسانية بدءاً من آدم الذي لما أخطأ كان يمثل نسله فاشتركت سلالته بمسؤولية الخطية التي لم يكن بالإمكان محوها من الإنسانية الساقطة إلا بتجسد الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، لذلك يقول الرسول بولس: «بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع»

(رو 5: 12) وقال داود: «هاأنذا بالإثم صوّرت وبالخطية حبلت بي أمي»(مز 51: 5) ولم يستثن من إرث هذه الخطية ممن لبس الجسد إلا ربنا يسوع المسيح «الذي أخذ كل ما لنا ما عدا الخطية» والذي صار كفارة عن خطايا العالم «متبرّرين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدّمه اللـه كفارة بالإيمان بدمه لإظهار برّه من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال اللـه»(رو 3: 23 و 24) وكما بإنسان دخلت الخطية إلى العالم كذلك بإنسان زالت (رو 5: 12 و 15) فالعذراء مريم إذن كسائر الناس ولدت تحت حكم الخطية وقد ولدت على الأرجح في الناصرة.

                                                                         
          
 


 



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +