Skip to Content

كتاب : رسالة عزاء الى المعذبين فى المناجم , القديس كبريانوس - الاباء فى القرنين الثاني و الثالث

 

رسالة عزاء إلي المعترفين في المناجم

للقديس كبريانوس {1} أسقف قرطاجة

إن مجدكم أيها الاخوة المطوبون والمحبوبون كان في الواقع يتطلب مني أن آتي لأراكم وأعانقكم ، لولا نَفْيِّ لأجل الاعتراف باسم (المسيح) والمكان المحدد الذي حُصرت فيه . فبالرغم من أنه لم يتح لي أن أتى وأدخل بشخصي إليكم ، لكنني أوجد بينكم بقدر استطاعتي . لذلك آتي إليكم بالحب وبالروح عن طريق مراسلتكم خطابياً ، ومعبراً لكم عن قلبي الذي يطرب (فرحاً) لبسالتكم وأعمالكم المجيدة المملوءة فرحاً .

 

فبالرغم من أن جسدي لا يتألم معكم ، ولكنني أعتبر نفسي رفيقاً لكم من خلال قوة شركة المحبة . فهل يمكنني أن أهدأ وأجُبر صوتي علي السكوت ، عندما أعلم من أصدقائي المخلصين عن ذلك المجد الكبير الذي َشَّرَفَتكُم به النعمة الإلهية ، وعندما أسمع أيضاً أن بعضا منكم قد سبقوا وأكملوا استشهادهم ليأخذوا إكليل جهادهم من الرب ، بينما البعض الأخر ما يزال مطروحاً في السجون ، أو يرزح مقيداً بالأغلال في المناجم ، حيث من خلال إطالة فترة العذابات يقدمون مثالاً رائعاً لتثبيت وتشجيع الاخوة ؟ لأنه من خلال فترة العذابات الطويلة يحصلون بجهادهم علي استحقاقات وفيرة ، فمع كل يوم عذاب يحسب لهم كمكافأة غنية تنتظرهم في السماء عند المجازاة.

 

أما بالنسبة إلي مكافأة تقواكم وإيمانكم فإني لا أتعجب أيها الاخوة الشجعان والطوباويون عن حقيقة أن الرب رفعكم حالاً إلي قمة سامية من المجد من خلال كرامة مجده والتي أبرزتكم في كنيسته بتمسككم الصادق بالإيمان والتزامكم بثبات بوصايا الرب ، مثل : البراءة في البساطة ، الوحدة في المحبة ، التواضع في الخشوع ، التدقيق في الوصايا ، السهر علي نجدة المعوزين، الشفقة في رعاية المحتاجين ، المثابرة في الدفاع عن الحق ، الصرامة في التأديب الحسن . وحيث إنه لم يعد ينقصكم شيئاً من الأعمال الصالحة (ولم تقدموه) ، إلا أنكم الآن ترفعون قلوب الاخوة للشهادة وذلك من خلال ألم أجسادكم واعتراف أفواهكم.

 

فعندما ضُرِبْتُم بالعصي بقسوة وتعذبتم بشدة وجعلتم هذه الآلام بداية ممجدة لاعترافكم، لذلك لا يوجد عندنا أي سبب للحزن لأن الجسد المسيحي لم يهتز أمام العصاة حيث إن رجاء المسيحي موضوع علي الخشبة (أي خشبة الصليب). فخادم المسيح عرف سر خلاصه أنه يخلص بالخشبة (أي خشبة الصليب) وينال الإكليل بالخشبة (أي العصي). فما هي الكرامة العظيمة عندما توصفون بأنكم آنية ذهب وفضة قُدمت للمنجم، ذلك المكان الذي يُكتشف فيه الذهب والفضة ؟ حقاً إن الأمر ينعكس الآن في المنجم ، لأن المكان الذي كان يعطي الذهب والفضة ، أصبح الآن يستقبل الذهب والفضة .

 

لقد وضعوا أغلالاً حديدية في الأرجل ، وضربوا الأعضاء المباركة وهيكل الله بالقيود المشينه، كما لو كانوا بربط الجسد يمكنهم أيضاً أن يربطوا الروح ، أو كما لو كان ذهبكم يُلطخ بلمس حديد (القيود).

 

لأنه بالنسبة للذين تكرسوا لله ويظهرون بالتقوى إيمانهم بشجاعة ، فإن السلاسل لا تعتبر كأربطة ، وقيود الأرجل لا تجلب أى عار علي المسيحيين بل تجلب لهم مجد الإكليل. فطوبى وسلام للأرجل المقيدة التي تُحَلّ من قِبَلْ الرب وليس من حداد. طوبى وسلام للأرجل التي تسلك في طريق الخلاص إلى الفردوس . سلام للأرجل التي ربٌطت الآن في العالم وقتياً لتكون فيما بعد عند حرة الله إلى الأبد . سلام للأرجل التي ربُطت بالأغلال في الخشب وأٌعيقت لبرهة قصيرة، ولكنها ستسرع للمسيح في طريق ممجد.

 

فلتدع القسوة الحقودة والخبيثة أن تقيدكم هنا وتربطكم كما تريد، ولكنكم ستصلون سريعاً من هذه الأرض ومن العذابات إلي ملكوت السموات . فلا فراش ولا وسادة تريح أجسادكم هنا في المناجم ، ولكن المسيح هو الراحة والعزاء . علي الأرض الخشنة يرقد الجسد المنهمك من العمل ، ولكن من وجد المسيح بجانبه لا يجد ألماً . لا اغتسال الآن والبدن سيظل متسخاً ، لكن وسط قذارات الجسد السطحية تنتقي الروح داخلياً. هناك (أي في المناجم) يُقَدّم قليل من الخبز ، ولكن "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكلام الله" (لو4:4 ). الملابس تنقص المرتجفين (من البرد والعُري)، ولكن الذي ارتدي المسيح فقد زُوِّد بالكساء الكامل . علي الرؤوس النصف محلوقة يوضع شعر شائك ، وحيث إن المسيح هو رأس الرجل ، لذلك ترتفع رؤوسكم بالمجد من قَبِلْ اسم الرب . إن كل هذه التشوهات والتي تبدو في أعين الوثنيين أنها بغيضة وقبيحة ، سيؤول إلي لمعان . وهذا الألم الوقتي والقصير سيُكافأ ويعوض بكرامة ومجد أبدي ، لأنه بحسب كلمات الرسول الطوباوي ، فإن الرب "سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون علي صورة جسد مجده" (فيلبى3:21).

 

ولكن يا اخوتي الأحباء هل بسبب التقوى والإيمان يمكن أن تكون هناك خسارة حيــث أنه لا تُهيأ فـــي المنجــم إمكانيــة لكهنة الله أن يقدموا الذبيحة الإلهية ويحتفلون بها.

 

بالعكس ، لأن الذبيحة التى تحتفلون بها وتقدمونها لله هي ثمينة ومجيدة أيضاً ، وهي ذات منفعة عظيمة لكم ، لأنكم تنالون بها الأجر السمائي . فالكتاب المقدس يتكلم ويقول : " الذبيحة لله روح منسحق ، القلب المنكسر والمتواضع لا يرذله الله" (مز 50: 19). هذه الذبيحة التى تقدمونها لله وتحتفلون بها علي الدوام نهاراً وليلاً هي أنكم صرتم ذبيحة لله وقدمتم ذواتكم كذبيحة مقدسة وثمينة ، مثلما يعني الرسول ويقول : " فأطلب إليكـــم أيها الإخــوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم الفعلية. ولا تشاكلوا هذا الدهر . بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة" (رو 12: 1-2).

 

إن مسرة الله هو أن يري جهادنا يزدهر حتى نفوز برضاه ، فما هي المجازاة لأجل طاعة إيماننا وعبادتنا لله، مثلما يعلن الروح القدس في المزامير ويشهد بالكلمات "ماذا أكافئ الرب من أجل كل إحساناته لي ؟ كأس الخلاص أتناول وباسم الرب أدعو . عزيز في عيني الرب موت أتقيائه" (مز 115: 12 ـ 15). فمن لا يرغب أن يقبل كأس الخلاص بسرور وطاعة ؛ من لا يرغب أن ينال مجازاة الرب بسرور وفرح؟ من لا يرغب أن يتكبد أمام أعين الله ، الموت الثمين بشجاعة وبثبات ، لكي يكون عزيزاً في عينيه ، ذلك ينظر من الأعالي إلي الجهاد لأجل اسمه ، ويقبل إرادتنا الصالحة ، ويحمينا في الحروب ، ويكللنا في الانتصار . فإنه يكافئ ويجازي بحسب صلاحه الأبوي ومحبته لنا، ذلك الذي أتمه وحققه بنفسه؟.

 

فأي انتصار كبير ، أى شعور سام ، وأى بهجة وأي نصر عظيم يكون لكم أيها الأخوة الأحباء حيث إن مكافأة الله تلوح لكل منكم ؛ فكل منكم لا ينزعج ليوم الدينونة، فبالرغم من أنه يجول في المنجم كأسير بحسب الجسد ، ولكنه يملك بحسب الروح ؛ لأنه يعرف أن المسيح حاضراً عنده ، يفرح بصمود عبيده الذين يتقدمون في طريق الملكوت الأبدي. إنكم يومياً تنتظرون بفرح يوم الشفاء لنياحتكم، وتشتاقون في كل لحظة أن يفرزوكم من العالم وتسرعون بشهادتكم إلي عطايا الفرح والمساكن السمائية، لكي تروا النور الوضاء بعد ظلمة هذا العالم وتنالوا مجداً يشع علي كل المتألمين والمجاهدين ، حيث يشهد الرسول ويقول: "فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا"(رو18:8) .

إن أفواهكم تصلي الآن بفاعلية ، فاطلبوا بلهفة واسألوا أن تُكَمّل النعمة الإلهية اعترافنا، وأن الله يحررنا من ظلام وفخاخ هذا العالم ، حتى نقدر نحن الذين ارتبطنا برباط المحبة والسلام أن نقف معاً ضد أخطاء الهراطقة وضد ظلم الوثنيين ، لنفرح سوياً في ملكوت السموات .

أتمني لكم أيها الاخوة الطوباويون والشجعان أن تتنعموا مع الرب وتذكرونا دائماً .



 



 



 



[1][*] هذه هي الرسالة الـ 76 من رسائل القديس الشهيد كبريانوس أسقف قرطاجنة وقد كتبها عام 257م قبل استشهاده إلي كل من : ينميسيانوس ، فيليكس أسقف باجاي في نوميديا ، لوكيوس أسقف تيبيست في نوميديا، فيليكس الآخر أسقف مارازانا في نوميديا ، ليتّيوس أسقف جيميلاي، يوليانوس أسقف ميليف في نوميديا ، فيكتور أسقف أوكتافوم ، بادر أسقف ميديلا في نوميديا ، داتيفوس أسقف بادال في نوميديا، والأساقفة الآخرين الذين أتوا من بعدهم وكذلك الكهنة والشمامسة وباقي الأخوة.

وقد أرسل القديس كبريانوس هذه الرسالة إلي كل هؤلاء حيث كانوا مقيدين في المناجم بأغلال من الحديد والبعض منهم يرزح في السجون وآخرون كانوا تحت التعذيب ، فكانت لهم رسالة عزاء لأجل احتمال الآلام محبة في الملك المسيح . وقد استهل القديس كبريانوس رسالته بتحية الشهداء منهم الذين سبقوا فنالوا الأكاليل والمواعيد الإلهية.

وقام بترجمة هذه الرسالة د. ميشيل بديع عبد الملك من النص المترجم إلي اللغة الألمانية والمنشور في :

 

 Text der Kirchenvaeter, eine Auswahl nach Themen geordnet, Bd. IV, Muenchen 1964, S. 93- 99.

لإلهنا كل مجد + كرامة + عزة + سجود إلى الأبد آمين

 




عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +