Skip to Content

بشارة مريم العذراء 2008-2009 - غلاطية - المطران بشارة الراعي

بشارة مريم العذراء

غلاطية 3/15-22

لوقا 1/26-38

Click to view full size image

مخطط الله الخلاصي: وعد وتحقيق

 

       بالبشارة لمريم تحقق مخطط الله الخلاصي الذي يشمل جميع البشر. لقد وعدهم الله بالخلاص منذ سقطة آدم وحواء، عندما قال للحية رمز الشيطان ابي الكذب: " اضع عداوة بينك وبين المرأة، بين نسلك ونسلها، هو يسحق رأسك، وانتِ تتربصين عقبه" (تكوين3/15). هذا النسل هو المسيح، ابن الله المتجسّد، الذي بموته يكفّر عن الخطيئة وبقيامته يبرّر الانسان التائب. هذا الوعد الخلاصي " كان لابراهيم ولنسله" الذي هو المسيح (تك12/7؛ غلاطية 3/16). وهو المسيح الكلي " الرأس والجسد" حسب تعبير القديس اغسطينوس، " اي الكنيسة التي هي اداة الخلاص الشامل للذين يؤمون.

       من الوعد لآدم وحواء الى الوعد لابراهيم فالى تحقيقه بالمسيح، يتبين ان الكتب المقدسة تشكّل كتاباً واحداً هو المسيح، لانها كلها تتكلم عن المسيح وتجد اكتمالها فيه (Ugo di San Vittore). وقال القديس امبروسيوس: " في الكتب المقدسة نقرأ المسيح" ( خطاب البابا بندكتوس السادس عشر في مقابلة الاربعاء العامة، 24 ايلول 2008).

 

***

 

اولاً يوبيل القديس بولس وشرح نصي الرسالة والانجيل[1]

 

       في حدث لقاء المسيح القائم من الموت بشاول ? بولس على طريق دمشق، وقد ادّى الى ارتداده وجعله رسول يسوع المسيح لاعلان الانجيل، ظهر سرّ الكنيسة التي علّم بولس سرّها في رسائله.

       سأله يسوع: شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟" فاجابه بسؤال: " من انت؟" اجاب: "انا يسوع الذي تضطهده" (اعمال9/4). باضطهاده الكنيسة، شاول يضطهد يسوع نفسه. "انت تضطهدني"، بهذه الكلمة يتماهى يسوع مع الكنيسة كشخص واحد، ويبدّل حياة شاول، وينكشف سرّ الكنيسة جسد المسيح.

       بقيامته، لم يغادر الرب يسوع ارضنا ليكون في السماء، تاركاً جماعة من المؤمنين تساند قضيته. ليست الكنيسة جمعية تريد تعزيز قضية ما. لا يوجد في الكنيسة قضية، بل شخص هو يسوع المسيح "من لحم وعظام"، كما اكّد للرسل بعد قيامته (لو24/39). انه حاضر شخصياً في الكنيسة، هو رأسها وهي جسده. هذا هو " المسيح الكلي" الذي كتب عنه بولس الرسول الى اهل كورنتس: " ألا تعلمون ان اجسادكم هي اعضاء المسيح؟ وان من يتحّد بالرب يصير واياه روحاً واحداً؟" (1كور6/15-16).

       هنا ينكشف سرّ القربان: فيه الكنيسة تعطي جسد المسيح،وهو يصنع منها جسده، على ما يقول بولس الرسول: " أليس الخبز الذي نكسره شركة في جسد المسيح. وبما ان الخبز واحد، فنحن الكثيرون جسد واحد، لاننا جميعاً نشترك في الخبز الواحد" (1كور10/16-17).

       من خلال كلام بولس وحدث ارتداده وما انكشف من سرّ الكنيسة، يقول لنا المسيح، ونحن في انشقاقاتنا وخلافاتنا المتمادية: "كيف استطعتم ان تمزقوا جسدي؟". يا رب، اجمعنا واخرجنا من انقساماتنا. اعدنا الى حقيقتنا الاولى بخبزك الواحد، لكي نؤلف نحن الكثيرين جسدك الواحد".

 

       2. شرح الرسالة الى اهل غلاطية 3/15-22

 

أَيُّهَا الإِخْوَة، كَبَشَرٍ أَقُول: إِنَّ الوَصِيَّة، وإِنْ كَانَتْ مِنْ إِنْسَان، إِذَا أُقِرَّتْ، لا أَحَدَ يُبْطِلُهَا أَو يَزِيدُ عَلَيْهَا. فالوُعُودُ قِيْلَتْ لإِبْراهِيمَ وَلِنَسْلِهِ. ومَا قِيْلَتْ: "ولأَنْسَالِهِ"، كأَنَّهُ لِكَثِيرِين، بَلْ  "وَلِنَسْلِكَ"، كَأَنَّهُ لِوَاحِد، وهُوَ الـمَسِيح! فأَقُولُ هـذَا: إِنَّ وَصِيَّةً سَبَقَ اللهُ فأَقَرَّهَا، لا تُلْغِيهَا شَرِيعَةٌ جَاءَتْ بَعْدَ أَرْبَعِ مِئَةٍ وثَلاثِينَ سَنَة، فَتُبْطِلُ الوَعْد. وإِذَا كَانَ الـمِيرَاثُ مِنَ الشَّرِيعَة، فَهُوَ لَمْ يَعُدْ مِنَ الوَعْد؛ والـحَالُ أَنَّ اللهَ بِوَعْدٍ أَنْعَمَ بِالـمِيرَاثِ على إِبرَاهِيم. إِذًا فَلِمَاذَا الشَّرِيعَة؟ إِنَّهَا أُضِيفَتْ بَسَبَبِ الْمَعَاصِي، حَتَّى مَجيءِ النَّسْلِ الَّذي جُعِلَ الوَعْدُ لَهُ. وقَدْ أَعْلَنَهَا مَلائِكَةٌ على يَدِ وَسِيطٍ، هُوَ مُوسى. غيرَ أَنَّ الوَاحِدَ لا وَسيطَ لَهُ، واللهُ واحِد! إِذًا فَهَلْ تَكُونُ الشَّرِيعَةُ ضِدَّ وُعُودِ الله؟ حاشَا! فَلَو أُعْطِيَتْ شَرِيعَةٌ قَادِرَةٌ أَنْ تُحْيي، لَكَانَ التَّبْرِيرُ حَقًّا بِالشَّرِيعَة. ولـكِنَّ الكِتَابَ حَبَسَ الكُلَّ تَحْتَ الـخَطِيئَة، لِكَيْمَا بالإِيْمَانِ بيَسُوعَ الـمَسِيحِ يُعْطَى الوَعْدُ للَّذِينَ يُؤْمِنُون.

 

       يؤكد بولس الرسول ان الخلاص يأتي من الايمان بالمسيح، لا من الشريعة. الاطار الذي يكتب فيه بولس هو ان نشاطه الرسولي بين الوثنيين تعرّض لمقاومة دائمة من لدن مسيحيين الذين يعودون الى اصل يهودي. هؤلاء كانوا يقولون: اذا لم تختتنوا على شريعة موسى، لا تستطيعون ان تنالوا الخلاص" ( اعمال15/1). وبهذا ارادوا ان يفرضوا على المؤمنين من اصل وثني نير الشريعة الموسوية.

فكتب بولس ان الوعد الذي قطعه الله لابراهيم ونسله، وهو المسيح، لا تبطله شريعة موسى التي جاءت بعد 430 سنة ( غلا16-17). واضاف: الشريعة أضيفت بسبب المعاصي حتى مجيء النسل الذي جُعل الوعد له. بكلام آخر، اعطيت الشريعة من اجل تحصين الوعد. فلو " كانت الشريعة قادرة ان تخلّص، لكان التبرير حقاً منها" (غلا3/19-21). لكن الشريعة  اعطيت كمربٍّ لتقود الشعب الى المسيح (غلا3/24). الشريعة مقدسة وروحية وصالحة لكنها غير كاملة، ولا تعطي من ذانها القوة ونعمة الروح القدس. بل هي المرحلة الاولى في الطريق الى ملكوت الله، تهيء الشعب المختار وكل مسيحي للايمان والتوبة ( كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1963).

الشريعة حرف، والايمان المترجم بالاعمال روح. يقول بولس في موضع آخر: "الحرف يقتل، اما الروح فيحيي" (2كور3/6)، وايضاً الختان الحقيقي هو ختان القلب العائد الى الروح، لا الى حرف الشريعة، ويعني حياة الامانة لله بتنقية القلب. يقول الرب يسوع: " من باطن الناس، من قلوبهم ، تنبعث المقاصد السيّئة والفحش والسرقة والقتل والطمع والخبث والمكر والحسد والشتّم والكبرياء" ( مر7/21-22).

 

       3. بالبشارة لمريم يتحقق مخطط الله الخلاصي (لوقا1/26-38)

عندما سقط  في الخطيئة آدم وحواء، وعد الله الغني بالرحمة بالخلاص، هو الذي خلق الانسان بفيض من حبه ليشركه في مجده الالهي، ورسم مخططه الخلاصي في اعقاب الخطيئة الاصلية، تلك الخطيئة التي ألقت بثقلها على التاريخ البشري. فقال للحية، رمز الشيطان، على مسمع الانسان الاول: " اضع عداوة بينك وبين المرأة، بين نسلك ونسلها، هو يسحق رأسك، وانت تترصدين عقبه" (تك3/15). تحقق الوعد بالبشارة لمريم، فاتى" نسل المرأة"، ابن الله المتجسد يسوع المسيح، ليقتلع شرّ الخطيئة من جذوره، " ساحقاً رأس الحية". انه صراع عنيف يتواصل ويرافق تاريخ البشر, بين النعمة والخطيئة، بين الخير والشر، يتكشف لنا في اول صفحة من تاريخ الخلاص  بقتل قايين اخاه هابيل (تك 4)، وفي آخر صفحة منه بالصراع القائم بين قوى الشر، المتمثلة بالتنين، والكنيسة، في سفر رؤيا يوحنا (فصل 12) الذي ينشر الصفحات الاخيرة من تاريخ الكنيسة والعالم (ام الفادي،11).

       ليست البشارة حدثاً ينتهي في الماضي، بل هي في آن بشرى مستمرة للبشرية بان الكلمة النهائية ليست لقوى الشر، مهما عظمت، بل لله الذي خلق الكون، وافتداه بدم الابن الوحيد، وتواصل لوساطة مريم، ام الفادي، التي " تشفع باخوة ابنها الذين لم تنتهِ بعد مسيرتهم، او الذين يتخبطون في مخاطر هذا العالم ومحنه حتى يبلغوا الى الوطن السعيد" بفضل هذه الوساطة، تدعو الكنيسة سيدتنا مريم العذراء:  "المحامية والمعينة والمغيثة والشفيعة" (الدستور العقائدي " في الكنيسة"،62).

       ان وسيط الخلاص الأوحد هو يسوع المسيح،، على ما تعلّم الكنيسة مع بولس الرسول، ان ليس لنا الاّ وسيط واحد، " لان الله واحد، والوسيط بين الله والناس واحد، الانسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فداء عن الجميع" (1 تيمو2/5-6). اما وساطة مريم فهي وساطة في المسيح، اعني اشتراكاً في وساطة المسيح، بحيث ان مريم الام هي السند الذي يربط المؤمنين بشكل اوثق بابنها الوسيط والمخلص، وتتم اتحادهم به. هذا الدور ينطلق من امومتها الالهية التي اشركتها اشراكاً وسيع المدى بعمل الفداء، واضحت لنا اماً على صعيد النعمة، ما جعلها حاضرة حضوراً فريداًَ في سرّ الخلاص، سرّ المسيح والكنيسة. ان فاعليتها في مجال خلاص البشر تنبع من استحقاقات المسيح ابنها الذي هو المصدر الاوحد للاستشفاع، ومن استعداد الله الآب لكل عطاء مجاني. ولهذا نقول ان " وساطتها تابعة"، فهي  "الوسيطة لدى الوسيط"، ووساطتها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بامومتها، وهذا ما يتميز عن وساطة الخلائق الاخرى التابعة لوساطة المسيح ( ام الفادي، 38 في الكنيسة، 60-62).

       ان يدعوها الملاك جبرائيل في تحيته " الممتلئة نعمة" يعني ان امتلاءها من النعمة ومن الحياة الفائقة الطبيعة جعلها اول من يختبر ثمار وساطة المسيح الوحيدة بين الله والناس، واعدّها بشكل خاص للمشاركة مع المسيح في وساطته، هو الوسيط الاوحد لخلاص البشر. هذه المشاركة هي وساطتها التابعة لوساطة المسيح ( ام الفادي،39).

       اما ان تسمي مريم نفسها " انا امة الرب"، فقد عبّرت عن استعدادها الكامل لخدمة المسيح ابنها بحيث تقود اليه، بوساطتها، جميع البشر، في التواضع والصبر. بسبب هذه الخدمة، النابعة من كونها ممتلئة نعمة، رفعت، بانتقالها الى السماء بنفسها وجسدها، الى مجد الملوكية، فاضحت "ملكة الكون" دون ان يتوقف دورها الخلاصي كام وسيطة " حتى يتم بشكل نهائي عقد المختارين" ( في الكنيسة،62). هذه التي كانت امينة لاتحادها بابنها حتى الصليب، تواصل اتحادها به في السماء، وتتوسط لديه " حتى يتجدد كل شيء في المسيح" ( افسس1/10)، سرّ الانتقال الى السماء حقق نهائياً في مريم، امة الرب، ثمار وساطة المسيح، فادي العالم والقائم من الموت والوسيط الوحيد، وجعلها مرتبطة بالمسيح برباط وثيق لا ينفصم، وصاحبة دور وسيطة الرحمة لكي يحيا الجميع، تحقيقاً لكلمة بولس الرسول: " فكما ان في آدم يموت الجميع، كذلك ايضاً في المسيح سيحيا الجميع" ( 1 كور 15/22). وهكذا جعل المسيح " امة الرب"، وهي امه، اما للكنيسة: " هذه امك" (يو19/27) ( ام الفادي،40). انها الام بالنعمة للذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها متممين مشيئته (متى11/38 ومر 3/35)، وهي توجههم: " افعلوا ما يقوله لكم" (يو2/5).

       هذا هو مخطط الله الخلاصي الذي تحقق بالبشارة لمريم، " المباركة في النساء". انها البركة التي غمر بها الله الآب في المسيح البشر اجمعين، ومريم بشكل خاص واستثنائي. ان مخطط الله لخلاص الانسان في المسيح مخطط عام يشمل البشر اجمعين. كما انهم منذ البدء داخلون جميعاً في عمل الخلق، فهم منذ الازل ايضاً موضوع مخطط الخلاص الذي سيعلن بالمسيح: " تبارك الله ابو ربنا يسوع المسيح الذي غمرنا بكل بركة روحية في المسيح. فقد اختارنا فيه عن محبة، من قبل انشاء العالم، لنكون قديسين وبغير عيب امامه وحدد بمرضاته ان نكون له ابناء بيسوع المسيح، الذي لنا فيه الفداء بدمه، ومغفرة الزلات، على حسب غنى نعمته" (افسس 1/4-7).

 

1.  العائلة مربيّة على حقيقة الانسان والزواج

استعداداً للقاء العالمي السادس للعائلات مع قداسة البابا في المكسيك (16-17) كانون الثاني 2009): بعنوان "العائلة مربية على القيم الانسانية والمسيحية"، نطرح الموضوع الثاني من المواضيع التحضيرية العشرة التي اعدّها المجلس الحبري للعائلة، وهو : العائلة مربية على حقيقة الانسان والزواج.

في البشارة لمريم انكشفت حقيقة الانسان والزواج في شخصها وشخص يوسف، وفي شخص ابنها يسوع، ابن الله المتجسّد، كما انكشفت في البشارة حقيقة الانسان والزواج في شخص كل من زكريا واليصابات وابنهما الموعود يوحنا. ما يعني ان الانسان وحقيقة الزواج تأتي من الله. فلا يمكن مقاربة حقيقة الانسان وحقيقة الزواج إلا بمعرفة الله وتصميمه الخلاصي. المشكلة اليوم هي ان هذه الحقيقة ضائعة لسببين: الاول جهل الله بانكار وجوده او بوضعه جانباً في حياة الانسان التاريخية ما يُسمى " الالحاد المادي" او الالحاد المعاصر"، وما يُسمى ايضاً اللادارية"؛ الثاني تيّار النسبية الذي يعتبر ان لا وجود لحقيقة موضوعية تختص بالانسان وبالتالي بالزواج والعائلة. وينفي وجود قواعد خلقية وقيم ثابتة.

للعائلة اليوم مهمة، لا يسعها التخلّي عنها وهي ان تنقل الى الاولاد حقيقة الانسان كما يرويها سفر التكوين: يوجد اله شخصي صالح، خلق الرجل والمرأة متساويين في الكرامة ومتمايزين ومتكاملين بالرجولة والانوثة. باركهما في الزواج واعطاهما رسالة انجاب البنين باتحادهما غير قابل الانفضام، وقد جعلهما جسداً واحداً (تكوين 1/27 و28؛ 2/18 و24).

 

***

 

 ثانياً، البطاركة الموارنة ولبنان

 

1.  البطريرط طوبيا الخازن (1756-1766)

 كان انتخابه في 28 شباط 1756 في دير مار يوسف عينطوره الذي كان يومها في عهدة الآباء اليسوعيين. ثبتّه في الانتخاب البابا بندكتوس الرابع عشر في 30 نيسان 1757 ومنحه  درع التثبيت[2].

البطريرك طوبيا الخازن كان من المطارنة الذين كانوا في المجمع اللبناني (1736). هذا المجمع نظّم العلاقة بين الكنيسة المارونية والسلطة المدنية ولاسما  "جماعة الحكم المدني الماروني، في اطار الامارة الشهابية (1697-1842) في العهد العثماني (1516-1918). اهم ما جاء في هذه العلاقة: احترام الاكليريكيين وضمان حقوقهم، المحافظة على حرية الكنيسة في المعتقد والممارسة والعبادة، منع المسلمين من دخول الكنائس ومن اعتقال متهمّين في داخلها، ومن محاصرة المراكز الكنسية على اختلاف انواعها، المعاملة العادلة للموقوفين، التهديد بالحرم الكبير لمن يسنّ شرائع تقمع الحرية الكنسية.

مارس البطريرك طوبيا الخازن مسؤولياته من ضمن قواعد هذه العلاقة. وساس الكنيسة المارونية بكل غيرة ونشاط باذلاً الجهود والتضحيات، ولقى العضد من نفوذ عائلته آل الخازن لما لها من ايادٍ بيضاء على الطائفة المارونية وسائر الطوائف المسيحية.

في عهده بدأ انقسام رهبانية مار انطونيوس المعروفة باللبنانية سنة 1760 الى رهبانيتين: البلدية التي اصبحت اليوم " اللبنانية المارونية"، والحلبية التي اصبحت "المريمية المارونية". وقد عمل جاهداً على عدم قسمتها من دون جدوى بسبب اختلاف العقلية والتطوّر العلمي بين اللبنانيين والحلبيين[3]، الى ان ثبّت الكرسي الرسولي هذه القسمة سنة 1770.

توفي البطريرك طوبيا الخازن في عجلتون في 19 ايار 1766، ودفن في كنيسة السيدة الخاصة بالعائلة الخازنية.

 

***

 

ثالثاً، الخطة الراعوية لتطبيق المجمع البطريركي الماروني

 

تواصل الخطة الراعوية تقبل النص المجمعي الثاني عشر: اليتورجيا، وتحديداً أبعاج الليتورجيا المارونية التي هي الضامنة لهوية الموارنة في لبنان وعالم الانتشار، والتي هي مدرسة ايمان تنير طريق المؤمنين بانوار الملكوت (الفقرات 17-24).

1.   البعد الثالوثي في تدبير الخلاص

تدور الليتورجيا حول محور تدبير الخلاص الذي دبّره الله الثالوث: الآب الخالق والمحب للجنس البشري، الابن الذي تجسّد وافتدى البشرية بموته على الصليب واحياها بقيامته، الروح القدس الذي يؤتي ثمار الفداء في حياة المؤمنين ويقود الكنيسة الى تحقيق عمل الله الخلاصي.

 

2. البعد الكريستولوجي

البُعد المسيحاني يشمل الحدثين الاساسيين: التجسّد والدنح والرسالة التبشيرية من جهة، والموت على الصليب تكفيراً عن الخطايا والقيامة من الموت لتبرير المفتدين من جهة ثانية. هذا البعد يطبع حياة المسيحيين في عيش معموديتهم التي تدرجهم في جسد المسيح، وتشركهم في سرّ موته وقيامته.

 

 البُعد الاسكاتولوجي

انه البُعد النهيوي الذي يكشف روحانية سبت النور في الليتورجيا المارونية، وانتظار فجر القيامة، وترقب مجيء الرب يسوع في الحياة اليومية وفي نهاية الازمنة: "تعال، ايها الرب يسوع" " ماراناتا".

 

4.البُعد الكريمي

الليتورجيا المارونية مريمية بامتياز. فاللاهوت المريمي واضح في كل نصوصها الليتورجية: مريم ام الاله، ومريم الام والبتول، ومريم الشفيعة القديرة، ومريم ام المخلص وشريكة الفداء.

 

2.  البُعد الكتابي

تتأصل الليتورجيا المارونية في الكتاب المقدس وتجعل منه ينبوعاها ومصدر روحانيتها. تصلي كلمة الله، وتتأصل فيها وتعلنها نثراً وشعراً، وتوزعها زاداً للمؤمنين.

 

6. البُعد الرهباني

تزخر الليتورجيا المارونية بالطابع الرهباني: صلاة الساعات، التوبة، الزهد، السير على خطى المسيح، حمل الصليب، الصوم، الانحناء، والسجود.

 

7. البُعد الانساني

تعكس الليتورجيا الاختبارات المتعددة التي مرّت بها الكنيسة المارونية، من آلام واضطهاد وحروب وتهجير، الى افراح الشركة والتضامن والوحدة والمغفرة والمصالحة، الى امجاد الانتصار بقيادة الرب وتحرير الشعب وتمجيد القديسين. هذا، الى جانب الطابع الشعبي المميز بالبساطة والعمق في آن.

 

***

       صلاة

       ايها الرب يسوع، بالبشارة لمريم تحقق الوعد الالهي بخلاصنا. اعطنا، بشفاعة امنا العذراء مريم، ان ننفتح لهذا الخلاص، وان نتشدد بالرجاء وسط المحن، مؤمنين بأن مواعيد الخلاص تتحقق عندما يرى الله ذلك مناسباً. فليساعدنا مثال القديس بولس وتشفعه في هذه السنة اليوبيلية على ألاّ نتقيّد بحرف الشريعة الذي يقتل بل بروحها وبالايمان الذي يحيي. ولتنكشف لنا، في ضوء البشارة لمريم، حقيقة الانسان وكرامة الزواج وقدسية العائلة. ألهم رعاة الكنيسة، اساقفة وكهنة، حسن الاداء الليتورجي واصلاحه وتعزيزه، لكي يغتني المؤمنون من أبعاد ليتورجيتنا وثمارها، ويلجوا الى عمق الاتحاد بالآب والابن والروح القدس، اله واحد له المجد والتسبيح والشكر، الآن والى الابد، آمين.

 

***

 


[1] . عظة البابا بندكتوس السادس عشر في افتتاح السنة البولسية، بازليك القديس بولس خارج الاسوار، في 28 حزيران 2008.

[2] . انظر المراسلات بين البطريرك وقداسة البابا في كتاب الاباتي بطرس فهد: " البطاركة الموارنة واساقفتهم في القرن 18،صفحة 256-265.

[3] . انظر المراسلات بين البطريرك ومجدمع نشر الايمان وقداسة البابا، المرجع نفسه، صفحة 266-271.

 

 


 

 



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +