Skip to Content

الكلمة صار جسداً - الخوري سيمون جبرايل

والكلمة صار جسدًا ( يو 1 : 14 )

 


 

إنّ ما تعانيه الكنائس الشرقيّة من تخويف وترهيب وتهديد وقتل وتهجير من مناطق وبلدان إنثقفت حضاراتهم بمسيحيّتهم واغتنت شعوبهم من حضورهم وإرثهم وإيمانهم، لهو دعوة الى إعادة التفكير والتأمل بحدث تجسّد ابن الله الوحيد. فإذا كان التجسّد قد تحقق بقصد فداء البشريّة، فإنّ آلام المسيحيّين وعذاباتهم وشهادة الدّم التي يؤدنها، تحمل في عمقها وجوهرها الرجاء بالخلاص. ولكننا نتساءل اليوم كيف يمكننا في ظلّ الأوضاع الانسانية والاقتصادية وخاصة الأوضاع السياسية والدينية، ان نتكلم على سر التجسد وما يعنيه لنا وللبشرية جمعاء، وهل يمكننا أن نبشر ونشهد ونعلن للناس بطريقة بسيطة وعميقة  معنى سر تجسد السيد المسيح ، ومعنى الخلاص الذي حققه في عالم فقد كل رجاء بالخلاص؟!


أنّ ابن الله الوحيد بتجسّده قد لبس جسدنا. يعني ذلك انّ كلمة الله اتّخذ طبيعتنا الانسانيّة بجميع اجزائها الجوهريّة والمتمّمة ليشفيها كلّها. هذا الايمان بالتجسد الحقيقي لابن الله الأزلي، هو العلامة المميزة للايمان المسيحي، لأنه في هذه الجسدانية حقق خلاصنا. اذا كان الله ، كما تقول الرسالة الى العبرانيين ، قد أرسل في ملء الزمن ابنه الوحيد لخلاص البشر(عب1 : 1- )، فان تجسد كلمة الله في التاريخ وفي الانسانية والجسدانية، هو تتويج وتحقيق نهائي لهذا الخلاص.

لم تعد كلمة الله، التي تعود الشعب سماعها وتردادها طوال فترة تاريخ الخلاص، مجرد كلمة، بل أصبحت بفعل التجسد "العمانوئيل " أي "ألله معنا ". فيسوع المسيح هو كلمة الله الوحيدة، والاعلان الكامل عن هوية الله الحقيقية، لأنه صورة الله غير المنظور. هذا هو معنى التجسد : انه حضور الله الدائم بين البشر. انه سر لقاء الله بالانسان، وسر خلاص الانسان المحقق في شخص يسوع المسيح ابن الله المتجسد والمائت والقائم من بين الأموات.

ان ايمان الكنيسة بهذه الحقيقة الخلاصية عرضها على مر التاريخ للاضطهاد الدائم، والشهادة حتى الموت. ولم تكن الاضطهادات التي عانت منها الكنيسة خارجية فقط، بل لقد ظهرت الكثير من المذاهب[1] والبدع  والهرطقات[2] منذ بداية الكنيسة، حاولت أن تجزّىء المسيح بين انسانية والوهية، منكرة بذلك ناسوت المسيح الحقيقي كالغنوصية والظاهرية[3].

لم تستطع هذه المذاهب والبدع وغيرها من الحركات الدينية المنشقة عن سلطة الكنيسة من أن تفهم كيف اتحدت الالوهية بالانسانية دون أن تنقص من الله شيئا، ودون أن تغير في جوهره وكيانه، ودون أن تذوب الانسانية بالالوهية. هذه الحقيقة الايمانية اضطرت الكنيسة أن تدافع عنها وتوضحها في المجامع المسكونية التي عقدتها في القرون الأولى في وجه هذه الهرطقات التي كانت تزورها وتحرف فيها[4].

حدد المجمع المسكوني الرابع، المنعقد في مدينة خلقيدونية سنة 451 عقيدة التجسد. وقد أكد أباء المجمع بأن الله اتحد بالجسد البشري اتحادًا حقيقيًّا في صلب الطبيعة، وبأن هذا الاتحاد بين الأُلوهية والبشرية هو اتحاد من نوع خاص بحيث لا تسيطر فيه طبيعة على طبيعة ولا تغيرها. فالطبيعة البشرية لم تذب بالطبيعة الالهية، انما بقيت طبيعة بشرية، والطبيعة الالهية بقيت الهية. ومع ذلك فالاتحاد بين الطبيعتين هو اتحاد في تمام الكمال. لقد صار الله انسانًا حقا وبقي الهًا حقًا.

عندما يتكلم اللاهوت عن سر التجسد فهو يقصد بذلك سر ابن الله الذي صار انسانًا. انه اتحاد الطبيعة الالهية بالطبيعة الانسانية في شخص يسوع المسيح كلمة الله المتجسد، " ففيه يحل جميع كمال الالوهية حلولا جسديًّا" (قو 9: 2). فيسوع هو الأُقنوم الثاني من الثالوث الأقدس الذي أتى الى عالمنا، مع انه موجود منذ الأزل ، ولبس انسانيتنا وأخذ جسدًا يشبه جسدنا، ونفسًا كنفسنا في أحشاء الطوباوية مريم العذراء أم الله.

الله اللامتناهي تنازل وأخلى ذاته متخذا صورة الانسان." فمع أنه في صورة الله لم يعد مساواته لله غنيمة ، بل تجرد من ذاته متخذا صورة العبد، وصار على مثال البشر، وظهر في هيئة انسان، فوضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب "( فل 2: 6-8 ). فمع أنه في البدء كان غنيًّا، لأنه هو الله، وهو البداية والنهاية، صار بعد ذلك فقيرًا من أجلنا نحن خليقته وصنع يديه، حين صار انسانًا وشابهنا في كل شيء ما عدا الخطيئة. لقد أصبح اله الكلي القدرة، بفعل تجسده، خاضعًا لضعف بشريتنا ومحدوديتها وخاضعًا لحدود التاريخ والزمن والناموس مع أنه اله التاريخ وسيد الكون.

ولكن تجسد الله لا يعني انحداره الى الخطيئة، كما وأنه لا يعني عودة الى التراب والموت. انه تجسد غايته خلاص الانسان والبشرية من ظلمة الموت والخطيئة. انه تجسد في سبيل تأليه البشرية وارتقائها الى عالم الازلية والخلود، بعد أن كانت قد طردت من الفردوس السماوي بسبب معصيتها وسقطتها وتمردها على مشيئة الله ووصاياه.

لقد استعبدت الخطيئة الانسان لدرجة أن أصبح من المستحيل عليه التحرر من نير عبوديتها ومن الموت المرتبص به. لذلك كان التجسد الوسيلة الوحيدة القادرة على اصلاح الشر الذي سببته الخطيئة للبشرية وللخليقة كلها. ووحده التجسد قادر على مصالحة الانسانية الخاطئة مع الله الخالق، ومنحها السعادة الحقة والسلام الحقيقي والحياة الطوبانية، حياة القداسة والتأليه. تجسد ابن الله وذاق الموت لكي ينال البشر الحياة الروحية في الله الآب.

صار الله انسانًا ليصير الانسان بدوره الهًا، فأصبحنا بذلك شركاء في الطبيعة الالهية . يسوع المسيح، كلمة الله الأزلي، هو هذا الاله الانسان الذي قاد البشرية، بتجسده وموته وقيامته في عودتها الى أحضان الله. مات المسيح من اجلنا بعدما أخذ على نفسه حقارتنا وفقرنا لكي يمنحنا كل غناه. وبسبب موته جعل المصالحة بين البشرية والله ممكنة . يسوع هو الطريق الذي يقود الى الآب، والنور الذي ينير حياتنا لتكون مقدسة لا عيب فيها.

 

 

يسوع المسيح هو محرر الانسان وفاديه. انه المخلص من عبودية الخطيئة وسلطان الموت. انه مصدر الحياة الجديدة في العالم الجديد والسماء الجديدة في ملكوت الله. يسوع المسيح ابن الله المتجسد هو التعبير الحقيقي والأصلي والكامل لمحبة الله لنا، تلك المحبة التي لا تبغي ولا تريد الا خير وأمان وسلام من تحب. " هكذا أحب الله العالم حتى انه جاد بابنه الوحيد لتكون له الحياة الأبدية "(يو3 ، 16)

ان الله كشف لنا في يسوع المسيح سر محبته، وقدس كل ما هو بشري. فالخلاص الذي حققه بتجسده ليس خلاصًا روحيًّا للنفس البشرية فحسب  انما هو خلاص الانسان في كل كيانه الروحي والجسدي. في يسوع المسيح صار لنا الخلاص والفداء التام ." مريضة، كانت طبيعتنا تطلب الشفاء، وساقطة، أن تقال عثرتها، وميتة، أن تبعث حية. كنا فقدنا امتلاك الخير، فكان لا بد من اعادته الينا. وكنا غارقين في الظلمات فكان لا بد من رفعنا الى النور، وكنا أسرى ننتظر مخلصًا، وسجناء ننتظر عونًا ، وعبيدًا ننتظر محررًا. هل كانت هذه الدواعي بدون أهمية ؟ ألم تكن تستحق أن تحرك عطف الله الى حد أن تنزله حتى طبيعتنا البشرية فيعودها، اذ أن البشرية كانت في حالة جد بائسة وجد تعسة؟" ( غريغوريوس النيصي، خطاب 15 ، 3 ) . هذه هي الحقيقة التي نحن مدعوون الى أن نعلنها ونشهد لها في حياتنا وفي تصرفاتنا، فيسوع الناصري هو المسيح ابن الله، وكلمته المتجسد لخلاص العالم من الألم والشر والخطيئة والموت .



 1- من هذه المذهب؛ المونوفيزيّة وهو يُنسب الى أوطيخا الذي يقول بوحدة طبيعة المخلّص وينكر التساوي في الجوهر بين جسد المسيح وجسد الانسان.

 2- من ابرز هذه الهرطقات نذكر الاريوسيّة والنسطوريّة. كانت الاريوسيّة تُعلّم ان الكلمة ليس ازليًّا كالآب، انما أوجده الآب مباشرة قبل الزمن. ليس الابن من جوهر الآب، لكنّه اصبح انسانًا كاملاً بمعنى انّ الانسان في المسيح اتخذ الكلمة مكان النفس البشريّة. فيسوع لم يكن له نفس بشريّة.

امّا النسطوريّة فتؤمن بانّ المسيح مكوّن من شخصين، شخص الهي هو الكلمة، وشخص بشري هو المسيح. لم يكن هناك اتحاد بين طبيعة بشريّة واقنوم الهي، بل مجرّد صلة بين شخص بشري واللاهوت.  

3- بدعة قديمة أنكرت واقع التجسّد ولم تنسب الى المسيح إلا الظواهر البشريّة. 

 4- المجامع المسكونيّة هي المجامع التي عُقدت للحفاظ على ايمان الكنيسة ورفض كل تعليم يُناقض جوهر هذا الايمان. والمجامع المسكونيّة هي سبعة؛ نيقيا الأوّل 325، القسطنطينيّة الأوّل 381، أفسس 431، خلقيدونيا 451، القسطنطينيّة الثاني 553، القسطنطينيّة الثالث 681 ونيقيا الثاني 787.

الخوري سيمون جبرايل

 



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +