Skip to Content

شفاء النازفة 2009 - البطريرك بشارة الراعي

الاحد الثالث من الصوم

شفاء النازفة

2 كورنتس 7/4-11

لوقا 8/40-48

الايمان بالمسيح قوة الشفاء والتغيير

 Click to view full size image

       تتواصل في زمن الصوم عملية تغيير الانسان من الداخل بنعمة المسيح. في رسالة القديس بولس لهذا الاحد دعوة الى الاسف عن الحالة الشاذة التي يصل اليها الانسان بخطيئته وانحرافه عن الحق والخير والجمال، لان الاسف يقود الى التوبة والفرح الحقيقي. آية شفاء المرأة النازفة، في انجيل هذا الاحد علامة ان عدم الاسف على الخطايا وعدم التوبة عنها يتسببان بنزيف القيم الروحية والخلقية والانسانية، مثل نزيف الدّم الذي يؤدي الى الموت. المسيح وحده يشفي من هذا النزيف بقوة الايمان به. والايمان اياه يحمل على الندامة والمصالحة. 

اولاً، يوبيل القديس بولس الرسول وشرح الرسالة والانجيل 

1.     رسالة القديس بولس الثانية الى اهل كورنتس: 2كور7/4-11

إِنَّ لي عَلَيْكُم دَالَّةً كَبِيرَة، ولي بِكُم فَخْرًا عَظِيمًا. وَلَقَدِ امْتَلأَتُ تَعْزِيَة، وأَنَا أَفِيضُ فَرَحًا في ضِيقِنَا كُلِّهِ. فإِنَّنَا لَمَّا وَصَلْنَا إِلى مَقْدَونِيَة، لَمْ يَكُنْ لِجَسَدِنَا شَيءٌ مِنَ الرَّاحَة، بَلْ كُنَّا مُتَضَايِقِينَ في كُلِّ شَيء، صِرَاعٌ مِنَ الـخَارِج، وخَوفٌ مِنَ الدَّاخِل! لـكِنَّ اللهَ الَّذي يُعَزِّي الـمُتَوَاضِعِينَ عَزَّانا بِمَجِيءِ طِيْطُس، لا بِمَجِيئِهِ فَحَسْب، بَلْ أَيْضًا بِالتَّعْزِيَةِ الَّتي تَعَزَّاهَا بِكُم. وقَدْ أَخْبَرَنَا بِاشْتِيَاقِكُم إِلَيْنَا، وحُزْنِكُم، وغَيْرَتِكُم عَلَيَّ، حَتَّى إِنِّي ازْدَدْتُ فَرَحًا. وإِذَا كُنْتُ قَدْ أَحْزَنْتُكُم بِرِسَالتِي فَلَسْتُ نَادِمًا عَلى ذـلِكَ، معَ أَنَّنِي كُنْتُ قَدْ نَدِمْتُ، لأَنِّي أَرَى أَنَّ تِلْكَ الرِّسَالَة، ولَوْ أَحْزَنَتْكُم إِلى حِين، قَدْ سَبَّبَتْ لي فَرَحًا كَثِيرًا، لا لأَنَّكُم حَزِنْتُم، بَلْ لأَنَّ حُزْنَكُم أَدَّى بِكُم إِلى التَّوبَة. فَقَدْ حَزِنْتُم حُزْنًا مُرْضِيًا لله، كَيْ لا تَخْسَرُوا بِسَبَبِنَا في أَيِّ شَيء؛ لأَنَّ الـحُزْنَ الـمُرْضِيَ للهِ  يَصْنَعُ تَوْبَةً لِلخَلاصِ لا نَدَمَ عَلَيْهَا، أَمَّا حُزْنُ العَالَمِ فَيَصْنَعُ مَوْتًا. فَانْظُرُوا حُزْنَكُم هـذَا الـمُرْضِيَ للهِ كَم أَنْشَأَ فِيكُم مِنَ الاِجْتِهَاد، بَلْ مِنَ الاِعْتِذَار، بَلْ مِنَ الاِسْتِنْكَار، بَلْ مِنَ الـخَوْف، بَلْ مِنَ الشَّوْق، بَلْ مِنَ الغَيْرَة، بَلْ مِنَ الإِصْرَارِ عَلى العِقَاب! وقَدْ أَظْهَرْتُم أَنْفُسَكُم في كُلِّ ذـلِكَ  أَنَّكُم أَبْرِيَاءُ مِنَ هـذَا الأَمْر.

يدعو بولس الرسول الى الحزن على الخطيئة والشر، وهو حزن يُرضي الله، ويقود الى التوبة والخلاص. ان هذا الحزن المرضي لله، ونسمّيه الاسف والندامة، يولّد الاجتهاد في اصلاح الحياة، والاعتذار عن الخطأ، والاستنكار للشر الذي صُنع، والخوف من الاساءة لله، والشوق الى التعويض بفعل الخير، والغيرة على شؤون الله والكنيسة، وقبول عقاب الألم والفشل ومحن الحياة (الآية 11).

تحتل الندامة المكان الاول بين افعال التائب. فهي الاسف من كل القلب، واحتقار الخطيئة المرتكبة، مع العزم على عدم الرجوع اليها[9]. لكن الندامة تفترض الايمان بالمسيح والمحبة لله.

عندما التقى بولس الرسول الرب يسوع القائم من الموت على طريق دمشق، اعتبر كل ماضي حياته في ايجابياته وسلبياته كالنفاية امام معرفة المسيح يسوع والتغيير الذي في اعماق قلبه وفكره ورؤيته (انظر فيليبي3/8). ورأى ان ما كان يعتبره ربحاً هو في الواقع خسران تجاه الله، فوجّه وجوده كله شطر المسيح (انظر فيليبي3/7) الذي هو " الكنز المخفي في الحقل" و"الجوهرة" التي من اجل شرائها يُباع كل شيء آخر ( انظر متى13/44-46).

ايمان بولس بالمسيح واتحاده العميق به جعلاه " يفيض فرحاً في الضيق" وفي ما كان يواجه من " صراع من الخارج، وخوف من الداخل" (الآية 4). هذا هو التبرير بالمسيح النابع من الايمان، حسب تعليم القديس بولس الذي يحمل المؤمن على تسليم الذات للمسيح، وعلى الاتحاد والتشبّه به، وعلى الدخول في محبته. فالشركة مع المسيح والايمان به يولّدان المحبة. والمحبة تُدخل المؤمن في شركة مع الله ومع الناس[10].

 

2.     نزيف القيم والشفاء منه بالايمان بالمسيح: لوقا8/40-48

 

الخطيئة التي لا نتوب عنها تولّد سلسلة من الخطايا الاخرى ونزيف القيم الروحية والانسانية، الخلقية والاجتماعية. فيصبح المجتمع عائشاً في " هيكلية خطيئة"[11]: اميال منحرفة تعتّم الضمير، عدم التمييز بين الخير والشر، الكبرياء، الشراهة، الطمع، الغضب، الكسل، القتل، الظلم، الاستبداد، اهمال الضعيف والمحتاج.

ايمان المرأة الذي قادها الى المسيح هو الذي شفاها من نزيف دمها: "تشجعي يا ابنتي، ايمانك أحياك، اذهبي بسلام" (لو8/48). سمعت المرأة بيسوع، فقصدته، والتمست منه الشفاء، بدون كلام، بل بحركة ايمانية، بالقلب والنية، وهذا هو الاساس في حياتنا مع المسيح، فوقف حالاً نزف دمها. كشف يسوع سرّها، لتكون نموذجاً لجميع الناس ومدى التاريخ، ان ايمانها هو الذي شفاها.

اين وكيف نستطيع ان نلمس طرف رداء المسيح لنشفى من نزيفنا الروحي والمعنوي، المادي والخلقي؟ نلمسه في كلام الانجيل الذي يشفي من نزيف الحقيقة الظاهر في الكذب والازدواجية والضلال. ونلمسه في اسرار الخلاص، ولاسيما في سرّي التوبة والقربان، حيث نعطى الشفاء من الخطايا والاسقام، ونعمة الاغتذاء من جسد الرب ودمه للحياة الجديدة.

من الانجيل والاسرار تخرج قوة الهية شافية، مثل تلك التي "خرجت من يسوع" ( انظر لوقا 8/ 46). انها فعل الروح القدس الذي يتمم فينا ثمار الفداء والخلاص، بقدر ما عندنا من ايمان غني بالرجاء والمحبة.

على هذا الاساس من الايمان والرجاء والمحبة ومن اجل شفاء الانسان، اسس الطوباوي الاب يعقوب حداد الكبوشي مؤسسة دير الصليب وما تفرّع عنها من مؤسسات نستطيع تسميتها " بجمهورية الألم وواحة الشفاء".

 

****

ثانياً، الوثيقة التعليمية " كرامة الشخص البشري"[12]

 

قيمة الانسان، دعوته للمشاركة في محبة الله الثالوث

لكل كائن بشري، بمجرد وجوده، يقتضي الاحترام الكامل، مع اقصاء كل تمييز عنصري، على اي من المستويات: البيولوجي والنفسي والثقافي والصحي. ففي الانسان المخلوق على صورة الله، ينعكس، في كل مرحلة من وجوده، وجه ابن الله الوحيد، الذي كشف، بتجسده وبتضامنه مع كل الناس، كم ان الشخص البشري جدير بأن يُحب بحدّ ذاته، بمعزل عن اي اعتبار آخر، فهماً او جمالاً او صحة او شباباً او سلامة او سواها. خلاصة القول ان الحياة البشرية خير دائم  "لانها في العالم اعتلان لله، وعلامة لحضوره، وأثر لمجده" (الفقرة 8)[13].

ان الافعال التي يتم بها مجيء الكائن البشري الى الوجود، والتي من خلالها يتم تبادل الذات بين الرجل والمرأة هو انعكاس للحب الالهي الثالوثي: الله، الذي هو محبة وحياة، كتب في الرجل وفي المرأة الدعوة الى المشاركة الخاصة في سرّ شركته الشخصية، وفي عمله كخالق واب. ان الزوجين، بحكم تكاملهما على مستوى الرجولة والانوثة، يتشاركان في مشروع الحياة بكامله، في ما عندهم وفي ما هم عليه. هذه هي الشركة الزوجية النابعة من الطبيعة. انها شركة تعاش في العائلة البشرية، اخذها المسيح الرب، ونقّاها ورفعها وكمّلها بنعمة سرّ الزواج. اما الروح القدس فيعطي الزوجين، عبر نعمة السّر، شركة الحب، على صورة تلك الوحدة التي تصنع من الكنيسة جسد المسيح الواحد (الفقرة 9).

ان الكنيسة، فيما تقدّر قيمة نتائج الابحاث الطبية بشأن الانسان واصول حياته، لا تتدخل في القطاع الخاص بالعلوم الطبية بحدّ ذاتها. لكنها تدعو جميع المعنيين الى المسؤولية الاخلاقية والاجتماعية العائدة الى عملهم. ان القيمة الاخلاقية للعلوم الطبّية المتعلقة باخلاقيات الحياة تُعاش بمقدار ارتباطها باحترام كل كائن بشري غير المشروط، في كل مرحلة من حياته، وبحماية خصوصية الافعال الشخصية التي تنقل الحياة. من صلاحيات السلطة التعليمية في الكنيسة تنشئة الضمائر، من خلال التعليم الاصيل للحقيقة التي هي المسيح، والتأكيد على سلطان المبادىء الاخلاقية المتحدرة من الطبيعة البشرية نفسها (الفقرة 10).

***

Click to view full size image
ثالثاً، الخطة الراعوية لتطبيق المجمع البطريركي الماروني 

تختتم الخطة الراعوية عرض النص المجمعي الثالث عشر: الرعية والعمل الراعوي، في قسم المؤسسات الرعوية والمنظمات (الفقرات41-48).

ليست رسالة الكنيسة محصورة بالاكليروس، بل هي واجب على كل معمَّد وحق له، ويشارك فيها في رعيته، من خلال المجلس الرعائي والمجالس الاخرى والمنظمات الرسولية وسائر النشاطات، بشرط احترام الرابط الذي يربطهم بالسلطة الكنسية. يوصي المجمع البطريركي بما يلي:

1. انشاء المجالس الرعائية في الرعايا بهدف انعاش حياة الرعية وافساح المجال امام مختلف ابناء الرعية للقيام برسالتهم بروح من التعاون لتفعيل العمل الراعوي.

2. تفعيل عمل لجان الوقف في ما يختص بحاجات الكنيسة المبنى، ووسائل العبادة العمومية، والمعيشة اللائقة للكهنة وسائر الخدام الكنسيين، وخدمة المحبة للفقراء، الى جانب المساهمة في العمل الراعوي.

3. تعزيز المنظمات والحركات الرسولية التي هي من ثمار الروح القدس، وخلايا حيّة لبناء الجماعة الرعوية، لكي تكون مكاناً لنمو الايمان وشدّ اواصر الشركة الكنسية. يُعنى الكاهن بتأمين التنشئة الدينية والانسانية لاعضائها لكي تنمو محبتهم للمسيح والكنيسة. كما يعنى بمرافقتهم روحياً لكي تكون هذه الجماعات مدرسة ايمان حقيقية، وتعمّق انتماءها الرعائي والابرشي والكنسي.

4. الاهتمام براعوية العائلة بحيث تشكّل كنيسة بيتية، يكون الوالدان فيها ناقلي الايمان ومعلمي الصلاة للاولاد، والمربيين لهم على محبة الفقراء واحترام الغير.

5. انشاء مراكز رعوية في الابرشية وفي الرعايا لاستيعاب العمل الرسولي ولاسيما تأمين التنشئة لمختلف فئات الرعية.

يتولى كاهن الرعية مسؤولية الارشاد للجميع، مستعيناً بكهنة آخرين او برهبان وراهبات او بعلمانيين من داخل الرعية او من خارجها. وعليه ان يرعى التوافق والتنسيق بين المجموعات المختلفة، فهو المسؤول الاول عن الوحدة وشركة المحبة في الرعية.

ويسهر كاهن الرعية على مسيرة الايمان في المجموعات المنظمة، بحيث يساعد اعضاءها، بالتعاون مع المسؤولين العلمانيين عنها، على تتميم عمل المسيح في الكنيسة، جسده، وعلى وعي المواهب وتثميرها لخير الجسد كله.

***
صلاة

ايها الرب يسوع، لقد اتيت تحمل الينا غفران الله يشفينا من ضعفنا وينعشنا بالحياة الالهية، ابعث في قلوبنا الاسف والندامة مع العزم على طلب الشفاء بايمان المرأة النازفة. ان نزيف القيم الروحية والاخلاقية والانسانية يتهددنا بالموت الروحي. اسمعنا صوتك باعث الرجاء: " تشجعوا ايمانكم احياكم، اذهبوا بسلام". فلتلمسنا كلمة الانجيل فتشفى منا العقول من الكذب والازدواجية، ونعمة سرّي التوبة والقربان فتشفى منا الارادات والقلوب من كل ميل الى الشر ومن الحقد والبغض. ألهم الجميع، بانوار الروح القدس، ليدرك كل انسان كرامته ودعوته الى المشاركة في محبة الله الثالوث. هدّىء كل يد تمتد لتنتهك حق اي كائن بشري في الحياة والوجود، في كل مراحل حياته، بدءاً من تكوينه في حشى امه. ساعد رعاة الكنيسة، اساقفة وكهنة، على انشاء الهيكليات الراعوية، لكي تُتاح للمؤمنين المشاركة الواعية والمسؤولة في حياة الكنيسة ورسالتها، انطلاقاً من الرعية. لك المجد والشكر والتسبيح، ايها الآب والابن والروح القدس، الآن والى الابد، آمين.

 


البطريرك بشارة الراعي


عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +