Skip to Content

احد الشعانين 2010 - البطريرك بشارة الراعي

احد الشعانين 

فيليبي 1/1-13

يوحنا 12/12-22

ملوكية يسوع المسيح

Click to view full size image

       في ختام الصوم الاربعيني، تتذكر الكنيسة دخول الرب يسوع الى اورشليم، واعلانه ملكاً بعفوية الشعب والاطفال. من خلال هذا الاحتفال تبيّنت ملامح ملوكيته في جوهرها، هذه التي اشركنا فيها بالمعمودية ومسحة الميرون. في مسيرة الصوم والصلاة والتوبة والتصدّق جددنا رسالتنا الملوكية القائمة على احلال الحقيقة والمحبة والحرية والعدالة. وبلغنا الى الميناء، لندخل مع المسيح الى عالم متجدد هو العائلة والرعية، المجتمع والوطن. 

اولاً، القراءات 

       من انجيل القديس يوحنا: 12/12-24

       لَمَّا سَمِعَ الـجَمْعُ الكَثِير، الَّذي أَتَى إِلى العِيد، أَنَّ يَسُوعَ آتٍ إِلى أُورَشَليم، حَمَلُوا سَعَفَ النَّخْلِ، وخَرَجُوا إِلى مُلاقَاتِهِ وهُمْ يَصْرُخُون: "هُوشَعْنَا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبّ، مَلِكُ إِسرائِيل". ووَجَدَ يَسُوعُ جَحْشًا فَرَكِبَ عَلَيْه، كَمَا هُوَ مَكْتُوب: "لا تَخَافِي، يَا ابْنَةَ صِهْيُون، هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي رَاكِبًا عَلى جَحْشٍ ابْنِ أَتَان". ومَا فَهِمَ تَلامِيذُهُ ذـلِكَ، أَوَّلَ الأَمْر، ولـكِنَّهُم تَذَكَّرُوا، حِينَ مُجِّدَ يَسُوع، أَنَّ ذـلِكَ كُتِبَ عَنْهُ، وأَنَّهُم صَنَعُوهُ لَهُ. والـجَمْعُ الَّذي كَانَ مَعَ يَسُوع، حِينَ دَعَا لَعَازَرَ مِنَ القَبْرِ وأَقَامَهُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، كَانَ يَشْهَدُ لَهُ. مِنْ أَجْلِ هـذَا أَيْضًا لاقَاهُ الـجَمْع، لأَنَّهُم سَمِعُوا أَنَّهُ صَنَعَ تِلْكَ الآيَة. فَقَالَ الفَرِّيسِيُّونَ بَعْضُهُم لِبَعْض: "أُنْظُرُوا: إِنَّكُم لا تَنْفَعُونَ شَيْئًا! هَا هُوَ العَالَمُ قَدْ ذَهَبَ ورَاءَهُ!". وكَانَ بَينَ الصَّاعِدِينَ لِيَسْجُدُوا في العِيد، بَعْضُ اليُونَانِيِّين. فَدَنَا هـؤُلاءِ مِنْ فِيلِبُّسَ الَّذي مِنْ بَيْتَ صَيْدَا الـجَلِيل، وسَأَلُوهُ قَائِلين:"يَا سَيِّد، نُرِيدُ أَنْ نَرَى يَسُوع". َجَاءَ فِيلِبُّسُ وقَالَ لأَنْدرَاوُس، وأَنْدرَاوُسُ وفِيلِبُّسُ وقَالا لِيَسُوع.

       يسوع يصعد لآخر مرة الى اورشليم ليشارك للمرة الاخيرة في عيد الفصح اليهودي. هو الصعود الاخير، هذه المرة، لا الى الهيكل الحجري حيث اراد الله ان يتّخذ اسمه مسكناً (تثنية الاشتراع،12: 11؛ 14: 23)، بل  الى الهيكل الذي لم تصنعه الايدي، الى حضرة الله، عبر الصليب الذي هو سرّ " المحبة حتى النهاية" (يو13: 1). صعوده الى جبل الله الحقيقي، المكان النهائي للقاء الله والانسان.

       وهي المشاركة الاخيرة بالفصح الذي حوّله يسوع الى " فصحه" الشخصي اي موته ذبيحة فداء عن الجنس البشري، وهو حمل العهد الجديد، ووليمة جسده ودمه لحياة العالم، وقيامته التي عبر بها وبالبشرية المفتداة من الموت الى الحياة الجديدة.

       وكان قد استبق هذا " الفصح الجديد" باقامة لعازر من القبر، قبل ستة ايام (يو12: 1)، وبقبول مبادرة مريم اخت لعازر التي سكبت قارورة الطيب الغالي الثمن على قدمي يسوع، اذ اعتبرها استباقاً لتطييب جسده يوم دفنه المزمع (انظر يو:12/3 و7).

       استقبلته الجموع في اورشليم، استقبال الملوك بسعف النخل والزيتون، وبكلمات المزمور 118: " هوشعنا مبارك الآتي باسم الرب ملك اسرائيل" ( يو12: 13).

       ظهرت ملامح ملوكية يسوع في جوهرها.

       ملوكيته موت وقيامة من اجل فداء العالم وانبعاثه لحياة جديدة، على مثال حبة الحنطة التي تقع في الارض وتموت فتعطي السنبلة (يو12: 24)؛ ملوكية الحب الاعظم الذي يبذل فيه نفسه عن احبائه؛ ملوكية الوداعة والتواضع المرموز اليهما بدخوله " على ظهر جحش" وضيع، لا على عربة الخيل كالامبراطور؛  ملوكية السلام الذي ينتزع كل خوف وتهديد من القلوب: " لا تخافي، يا ابنة صهيون"؛ ملوكية العبادة لله بالروح والحق (يو4: 23)، ولهذا دخل الهيكل، كما يروي انجيل متى، وطرد البائعين والشارين، وقلب موائد الصيارفة، ومقاعد باعة الحمام، وقال: " بيتي بيت صلاة يدعى، وانتم جعلتموه مغارة للصوص" ( متى21: 12 و13). لقد طهّر الهيكل ليكون مكان التلاقي بين الله والانسان؛ ملوكية الرحمة والشفاء، فمن بعد ان طهّر الهيكل الحجري، اعتنى بالهيكل البشري، وشفى اعميين ومقعدين كانوا قد قُدّموا أليه (متى21: 14).

       الى هذه الملوكية نحن ننتمي بسرّي المعمودية والميرون، لنلتزم باحلالها في العائلة والرعية والمجتمع والوطن. تُعاش هذه الملوكية وتتجلّى في مملكة المسيح التي هي الكنيسة.

       يوم الشعانين هو عيد الاطفال والشبيبة، لانهم هم الذين بعفوية ايمانهم ومحبة قلوبهم يستقبلون المسيح الملك في حياتهم، وهو يجعلهم قوّة تجددية في الكنيسة والمجتمع.

       عيدهم دعوة للاهتمام بتربيتهم الروحية والثقافية والاخلاقية، ولاعطائهم دورهم البنّاء من اجل بناء محتمع أفضل. فالشباب الواعي والمسؤول هم ضمانة المستقبل وامله.

 Click to view full size image

***

ثانياً، درب الصليب على خطى المسيح الفادي 

       نتأمل يسوع مائتاً على الصليب

       في ذلك يوم الجمعة عندما صُلب يسوع، وقع الظلام على الارض كلها من الساعة الثانية عشرة ظهراً حتى الثالثة. فاظلمت الشمس، وانشق حجاب الهيكل من وسطه. وصرخ يسوع صرخة عظيمة وقال: يا ابتِ بين يديك استودع روحي. قال هذا ولفظ الروح (لو23: 44-46).

       الظلام الذي وقع تنبأ عنه يسوع، عندما أسلمه يهوذا الى عظماء الكهنة والشيوخ وقواد حراس الهيكل، اذ قال: " هذي هي ساعتكم، وهذا هو سلطان الظلام" ( لو22: 52-53). يبدو ان هذا الظلام غلب الارض حيث مات الاله-الانسان. أجل، كان على ابن الله، لكي يكون حقاً انساناً واخاً لنا، ان يشرب هو ايضاً كأس الموت الذي هو حقاً هوية جميع بني آدم. وبهذا يصبح المسيح "شبيهاً باخوته في كل شيء" ( عبرانيين 2: 17). صار بالحقيقة والكليّة واحداً منا، حاضراً معنا في النزاع الكبير بين الحياة والموت، بل مع كل انسان ينازع ويموت على مدى التاريخ.

       " احبهم حتى النهاية" (يو13: 1). بموت يسوع على الصليب تجلّى الله المحب لخلائقه حتى الاحتباس الحرّ ضمن حدود الألم والموت. وكان المصلوب لجميع الشعوب علامة مزدوجة: علامة بشرية شاملة لوحشة الموت والظلم والشر التي اختبرها " الجموع الذين احتشدوا وشاهدوا ورجعوا قارعين الصدور، والنساء وغيرهم من اصحاب يسوع الذين وقفوا بعيداً يشاهدون" ( لو 23: 48-49)؛ وعلامة الهية شاملة للرجاء، لانتظارات كل انسان يبحث بقلق عن الحقيقة، وهو متمثل " بقائد المئة الذي، لما رأى ما جرى، مجّد الله وقال: حقاً، ان هذا الرجل كان باراً!" (لو23: 47).

       أظلمت الشمس، لان من هو نور العالم قد اغتيل. و" انشق حجاب الهيكل" لان رب الهيكل قد طُرد منه. وبهاتين العلامتين دلالة ان الشمس والهيكل يأخذان معناهما وقيمتهما من المسيح " النور الحقيقي" و " رب كل هيكل".

       في لحظة موت يسوع وقد " أسلم الروح"، زرع في آلام جميع الناس وميتاتهم بذور الحياة الابدية. بقوة " الروح" ينتشلهم من لجة الموت الى الحياة لدى الله، اذا عاشوا اوفياء له، ومخلَّصين بالمسيح. وهم في ساعة موتهم يرددون بالرجاء الوطيد والثقة البنوية: " يا ابتِ، بين يديك استودع روحي".

 

***

 ثالثاً، السنة الكهنوتية: الكاهن  خادم اسرار الكنيسة الخلاصية

        الكاهن هو وكيل اسرار الله، يحتفل بها ويوزع نعمها على المؤمنين والمؤمنات. المسيح انشأ الاسرار السبعة التي تشكل وحدة عضوية متكاملة، وتقسم الى ثلاثة: اسرار التنشئة المسيحية: المعمودية والميرون والقربان، واسرار الشفاء: التوبة ومسحة المرضى، واسرار الرسالة: الزواج والكهنوت.

       انها تلامس كل مراحل الحياة المسيحية التي تشبه مراحل الحياة البشرية: الولادة بالمعمودية؛ النمو بالميرون وعطية الروح القدس؛ الاغتذاء من الحياة الابدية بالقربان؛ الشفاء من الخطيئة بالتوبة ومن امراض الجسد والروح بمسحة المرضى؛ الرسالة وتواصل نقل الحياة البشرية بالزواج، ونقل الحياة الالهية بالكهنوت. هذا التشبيه اجراه القديس توما الاكويني.

       يحتل سرّ القربان في هذه الوحدة العضوية بين الاسرار مكانة مميّزة، لانها تنطلق كلها منه، واليه تترتّب كالى غايتها باجمعها[10].

       سرّ المعمودية:

       يحمل الكاهن اسم" اب" و " ابونا" بفضل سرّ المعمودية الذي هو الولادة الثانية من الماء بقوة الكلمة وعمل الروح القدس. على يد الكاهن يولد المؤمنون أبناء لله بالنعمة. انها ابوّة روحية تنشىء بين الكاهن والمؤمن رباطاً عضوياً روحياً يكون الاساس لعمله الكهنوتي والراعوي.

       المعمودية هي المدخل الى الحياة بالروح القدس، والباب الى الاسرار الستة الاخرى. بالمعمودية يتحرر الانسان من الخطيئة ويولد من جديد ابناً لله؛ يصبح عضواً في جسد المسيح، ومنتمياً الى الكنيسة، ومشاركاً في رسالتها.

       الولادة الجديدة التي تتم بالمعمودية انما تتحقق بالنزول الى الماء او بسكبه على الرأس ثلاث مرات مع لفظ كلمات التعميد وبذلك ترمز الى الموت مع المسيح عن الخطيئة والى القيامة معه للحياة الجديدة بالروح. ويصبح المعمّد " خليقة جديدة" ( 2كور 5: 17)، تستنير بكلمة الله " النور الذي ينير كل انسان" ( يو1: 9). وهكذا يصير المعمد من " ابناء النور"، بل نوراً يعكس وجه المسيح (1 تسا 5: 5).

       اما رموز المعمودية والعلامات التي تحمل معاني روحية فهي: الماء يعني غسل النفس من الخطيئة؛ المسحة بزيت المعمودية تدل على المشاركة في كهنوت المسيح وملوكيته؛ الثوب الابيض علامة النعمة التي تستر خجلنا؛ الشموع ترمز الى اشعاع الايمان في حياة المسيحي. المعمودية عطية مجّانية من الله، ونعمة لا تفترض اي استحقاق من الانسان، وطابع لا يُمحى للدلالة على سيادة الله المطلقة[11].

 Click to view full size image

       لعناصر المعمودية ومفاعيلها صور في العهد القديم رمزت اليها:

        المياه في بداية الخلق هي ينبوع الحياة والخصوبة. وهي اول عنصر في عملية الخلق، وكان روح الرب يرفرف فوقها (تكوين1: 2). المعمودية هي الخلق الجديد من الماء والروح (يو3: 5).

       سفينة نوح التي حمت من الطوفان ترمز الى الخلاص بالمعمودية التي تعطى في داخل الكنيسة سفينة الخلاص (1بطرس3: 20). ماء الطوفان وضع نهاية للشر، وبداية للخير. هكذا ماء المعمودية يُميت الخطيئة، ويُنبت النعمة. عبور البحر الاحمر يعني تحرير شعب الله من عبودية مصر، ويرمز الى تحرير المعمّد من عبودية الخطيئة والشيطان والشر. عبور نهر الاردن الذي نال به شعب الله ارض الموعد لنسل ابراهيم هو صورة للحياة الابدية التي يعد بها الله ميراثه المبارك[12].

 ***

   صلاة

       ايها الرب يسوع، ها نحن في نهاية مسيرة الصوم الاربعيني، قد بلغنا اليك عبر الصوم والصلاة والتوبة واعمال المحبة والرحمة. فادخل ملكاً على قلوبنا. ادخل الى عائلاتنا ومجتمعنا ووطننا، لنوطّد معك الحقيقة والمحبة والحرية والعدالة، فيحّل السلام الحقيقي. أبهج اطفالنا وشبابنا بعيدهم، وليظلوا، بفضل تربيتهم الروحية والثقافية والاخلاقية، افواهاً صافية وقلوباً نقيّة تشهد لك وتعلنك الملك المطلق والاسمى. سرّ بنا في اسبوع آلامك وموتك لنتقدس بها ونقدّس اوجاعنا وامراضنا وهواجسنا. قدّس الكهنة، وكلاء اسرار الله الخلاصية، ليوزّعوها بامانة وسخاء وغيرة، من اجل حياة عالمنا الذي تعبر به بفصحك الى حياة جديدة. فنرفع آيات الشكر والمجد والتسبيح للآب والابن والروح القدس، الآن والى الابد، آمين.

 


البطريرك بشارة الراعي

 



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +