Skip to Content

التواضع - للمطران باسيليوس منصور

التواضع

Click to view full size image

(للمطران باسيليوس منصور)

 

 أيها الأخوة الأحباء، في هذا الأحد تبتدىء أحاد التهيئة للصوم الكبيرو إنجيل اليوم يروي عن إنسانيّن صعدا ليصليا في الهيكل،

 الأول صلى وهو منتفخ ومتكبر وهو يشعر بذاته أنه شيءمهم و أخر هو العشار الذي لم يشأ أن يرفع رأسه أمام الله، بل كان يقر بخطاياه كما يقول داوود النبي:وخطيئتي أمامي في كل حين.

 

الأول نزل إلى بيته بدون تبرير، أي لم ينل شيئاً على ما فعله، أما الثاني فقد أخذ تبريراً دون ذاك،كما يقول ربنا يسوع المسيح أي أن الفريسي قد نال على صلاته وتواضعه أجراً، وهذه الفضيلة التي تريد الكنيسة أن تنبهنا عليها في بدء جهادنا الروحي،

وقبل أن ندخل في أي نوع من أنواع الجهاد، يجب أن نمتلكها لكي نكون محصّنين كما يكون الجنود في الحصن، أسواره ترد عنهم السهام والضربات والنار ، لأنه في الحقيقة كما يقول آباؤنا القديسون:من دون التواضع.

يتعرَّض الإنسان دائماً في قواه الروحية للسرقة، للنهب، للتلف من ذاته و من الآخرين.

الإنسان دون التواضع لا يستطيع أن يحافظ على شيء، لأن التواضع هو حصن الفضيلة،

لهذا عندما ظهر الشرير للقديس أنطونيوس، بكل طرقهِ وحيلهِ المختلفة التي ينتبه لها الإنسان والتي لا ينتبه لها، أي الحروب من اليمين والشمال، الحروب الروحية والحروب الجسدية وغير ذلك، تنهد وصرخ نحو الله وقال:

يارب من يَخْلص من هذه كلها،

 فقال له:المتواضع.

لهذا بولس الرسول يحذرنا أولاً وأخيراً ويقول لنا:أنت يا من تظن نفسك واقفاً أحذر ألا تسقط، لأن الإنسان عندما يظن نفسه شيئاً عظيماً يبدأ بنسيان الله وخاصة إذا كان كذلك الفريسي،

 أي أنه يصوم لأنه واجب، يصوم لأنه هو قادر أن يصوم، لأنه قادر أن يعمل الخير، وكأنه لا حاجة له إلى الله؛

 أو كأنَّ الله بحاجة لصومهِ وصلاتهِ وعبادتهِ.هو بحاجة إلى الشريعة، لأنه من دون الشريعة، الخطيئة غير موجودة، لهذا لا يستطيع أحد أن يتبرر بأعمال الناموس، العمل الروحي الجاف الذي لا يتصف بالتواضع، هو عمل يؤدي إلى الكبرياء.

التواضع ليس فقط أمام الله، التواضع أمام الناس، فضيلة التواضع صعبة جداً جداً، لأن الإنسان لا يفكر فقط لكي يُعطي، تأخذهُ الحمية لكي يعطي من دون أن ينسى شيء، عندما يُعطي الإنسان عمل رحمة وهو مسرور، لا يعطي كل شيء من ذاته،

 أما المتواضع فهو الذي ينسى ذاته أمام الآخرين، لذلك لم تستطيع الملائكة، حتى ولا الملائكة أن تتواضع، لهذا قسمٌ كبيرٌ من الملائكة كما يقول لنا الكتاب ويقول آباؤنا القديسون قد سقط...إبليس لماذا سقط من السماء؟

لأنه لم يستطيع أن يتواضع، كان من أعظم الملائكة، لم يستطيع أن ينسى ذاته.

 

    آدم وحواء لماذا سقطا؟?ليس لأنهما لم يصوما أو لأنهما أكلا من التفاحة.

أو لأنهما أرادا أن يتزوجا وإلى ما هنالـك كما يظن البعض، هذا كله مبارك من الله إن كانت الشجرة وإن كان الزواج، وإن كان أي شيء جعله الله لأجل الإنسان، بل لأنهما قالا إن الله لا يريدنا أن نصبح مثله نميز بين الخير والشر، وياليتهما ما ميّزا الخير عن الشر، لكانا بقيا كطفلين في ملكوت السماوات، ولكنا استرحنا من التعب و المرض والألم والموت( نتائج السقوط)... الكبرياء، لقد ظنّا أنهما شيء كبير، لكن هما شيء كبير مع الله، وليس بدون الله، عندما تَكَبرا سقطا، وسقط العالم كله،

ويقول لنا بولس الرسول:إن الطبيعة تئنُ معنا متمخضة، كثيرون من الأنبياء لم يستطيعوا أن يتواضعوا، تجارب القديسين كانت في التواضع،

يقول لنا يوحنا السلمي:إن الإنسان الذي يصل إلى مراقي روحية عظيمة، في آخر المطاف سيأتي إبليس ليجربه بخطيئة الدينونة، مثلما بدأ آدم بمقارنة نفسه مع الله، يبدأ بمقارنة ذاته بالناس، هذا ماذا يعمل وماذا يستطيع أن يفعل؟.

فيفكِّر انه شيء كبير، ويسقط من هناك، من العلو الروحي دفعة واحدة، إذنفالتواضع شيءٌ لا يُكتسب دفعةً واحدةً، التواضع هو علم،

كما يقول بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس:إنكَ تعرف الكتب المقدسة، وهذه تصيركَ حكيماً للخلاص.

الإنسان لا يصبح حكيماً أو محامياً أو أستاذاً، لا يصل إلى كمال العمل الذي يقوم به دفعة واحدة، إلا إذا أعطاه الله ذلك، هو لا يمكنه!!..، من أصعب الفضائل أن يمتلك الإنسان هذه الفضيلة...

إنسانٌ متعبٌ بماله، متعبٌ في بيته، متعبٌ في تثقيف نفسهِ، تأتي وتقول له إنسَ ذاتك أمام الآخرين، صعب، لأنه هذه هي الطبيعة البشرية، تقول لابن العائلة.

أو لذي المالانسَ ذاتك أمام الآخرين، صعب.من يذهب إلى الكنيسةِ أو إلى المجتمعٍ، ليتفاخربلباسهِ الجميل لتراهُ الناس بها، تقول له تواضع، صعب، لأنه ليس مهيئاً، المجتمع الذي حوله لم يهيئه بأنه لا شيء أمام الله،

وبالتالي لا شيء أمام صورة الله، التي مات يسوع المسيح لأجلها، وتواضع متخذاً صورة عبدٍ، الله وحده قادرٌ أن يتواضعحتى أقصى التواضع، وأن يتنازل إلى أسفل دَرَكات التنازل.

لو امتلك الناس فضيلة التواضع، فلن نشاهد أناساًتتنازع فيما بينها، لأن الأولكان سيقول للثاني:

يا أخي أعذرني، أنا أخطأت، فلو كنت في مستوى فهمك وإدراكـــك..الخ،

ولكن هناك الذات، وهناك الأنانية، وهناك اجتهاد الإنسان على ذاتهِ كذاتٍ بشرية، وليست كهيكل للروح القدس.

 

    ولا يعني التواضع عدم طموح الإنسان، وسعيه لتحقيق مراكز وغايات نبيلة يستخدمها في النهاية لأجل خلاصه وخدمة البشر، لأنَّ هذا يعني استخدام المواهب التي أعطاهُ إياها الله لغايات صالحة، وتفقد قيمتها إذا اختلطت بالكبرياء (لا لنا لا لنا يارب، بل لاسمكَ أعطِ مجداً).

 

    إذن فالفضيلة دروسها صعبة جداً، والإنسان يتمرن عليها شيئاً فشيئاً، لعله في يوم من الأيـام يصيب منها شيئاً، ليقول له ربنا يسوع المسيح:

هنيئاً لك لقد تواضعت نفسك فارتفع إلى هنا واجلس عن يمين الأب.

نرجو إلى الله أن يعطينا جميعاً هذه القوة لننال خلاصاً أبدياً.

آمـــــين.

 

 


عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +