Skip to Content

جئتُ لألقي ناراً على الأرض ..." (لو 12، 49) - المطران بولس يازجي

"جئتُ لألقي ناراً على الأرض ..." (لو 12، 49) 

Click to view full size image

المطران بولس يازجي

من كتاب "السّائحان بين الأرض والسماء"- الله والإنسان 

الجزء الثاني

     شخصُ يسوع يقلب القديم، ويلتصق اسمه بالجديد والتجديد.

لقد جاء "لتكون الحياةُ لنا أفضل".

الحياة المسيحية جِدَّةٌ كالثورة. يسوع ثورةٌ هبطت من السماء كالصّاعقة. تلك النار اشتعلت وعصفت بالمنزل يوم العنصرة، جذوتها على الأرض في قلب كلّ من يطالع أو يسمع الكلمة، أمّا لسانها فيدرك السماء.

نارٌ مطهّرة تنقّي الطين وتجعل من الإنسان إلهاً. لقد قلبتْ هذه النارُ كلَّ المعايير:

    سقط الله، الله السيّد المتربع على العرش حاكماً وديّاناً، في الأديان الوثنية.

 بَطُلَ إله الفلاسفة المغبوط النائم في سعادته في بطن الأفكار البشرية. الله محبّة، محبّة تطلب المحبوب وتتحرّك نحوه.

محبّة تجعل الله والإنسان في علاقة، فيتبادلان الحبّ في الخليقة.

هذه العلاقة تُبطل البعد الفاصل: بين السماء والأرض، بين الجسد والنفس، بين الكلام والصمت، بين المادة والرّوح وبين الله والإنسان. 

    لم يعد الإنسان مجرّد كائنٍ جاءت به الصدفة وتقوده الأقدار، ولا هو حيوانٌ مرجعيته الأرض، ولا حتى كائن اجتماعي مرجعيته الشرائع، بل الإنسان هو وليد المحبّة الإلهية وخليلها! وجه البشر صار من نورٍ وليس من طين. 

    الإنسان إلهٌ يتخطّر على الأرض بمسؤولية وليس حيواناً يتسلّط على ما فيها. سلطة الإنسان هي الخدمة وليست الاستهلاك. صارتْ حياةُ الإنسان عجيبةً وصار اللهُ عجيباً في قديسيه.

التراب الآن يُسبِّح الرّب وهناك في الجحيم من يحمده! مهما بدا ذلك عجيباً إلاّ أنّه واقع، أنّ الله خلق من التراب آلهة. 

    فصرتَ ترى في الشيوخ وداعة الأطفال وفي الأطفال حكمة الشيوخ وعند الاثنين إبداعاً وجرأةَ قرارٍ عجيبٍ ببذل الذّات حبّاً ليجدوها!

    لم يعد قتلٌ أن تسفك دماً بل مجرّد أن تهدر محبّة، فالحقد قتلٌ والغضب مثله والكلمة القاسية أيضاً.

لم يعد فعل الزنى فقط هو المدان، بل مجرّد النظر بشهوة.

لم يعد العطاء إحساناً بمقدار، بل من طلب منك ثوباً أعطه الرداء أيضاً.

لم يعد ما هو خارجي وعرضةٌ للفريسيّة كافياً بل أصبحت مطلوبة أيضاً النقاوة الداخلية، التي هي ابنة الحبّ الحقيقي ولا يفسدها رياءٌ في الشدة بل تنمّيها المحبّة في التجارب. 

    لا تُطلب من الإنسان أعمالٌ وحسب بل "يا بنيّ أعطني قلبك"، وعندها نعمة الله في ضعف البشر تكمل. الويل لمن يعمل عمل الرّب بمواربة. عمل الرّب فعل المحبّة.

والمواربة أن تحبّ ذاتك بدل الآخر. 

    فالويل للحكماء بأعين أنفسهم، والويل لمن يريد أن يربح لذاته لأنّه سيفقدها. الضمير لا يحيا حين يفكّر بذاته. الإنسانية تنمو بخدمة الآخرين. 

    سقطت أقنعةُ البرّ الذّاتي التي يبنيها الناس ببعض الشرائع. لهذا الحرف يقتل والرّوح يحيي. أعطني من كلّ فعلٍ ما فيه من محبّةٍ وارمِ الباقي إلى الفريسيّة والرياء.

أفعال المحبّة تمنع الفصل بين الدّين والحياة وتربط وجه الله بوجه القريب، وتجعل عبادة الله تتم في حياة القريب. مذبح القرابين هو حياة المحتاجين

 سرّ الشكر غير ممكن بدون سرّ القريب. لذلك فالذبيحة لله هي الرحمة.

الإنسان روحي حتى اللّحم ولحمي حتى الرّوح. ما من حياة روحية معزولة عن الحياة الجسدية ولا حتى حياة جسدية ليس فيها روحُ الله. كلا الوجهين زيف.

"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" 

    معيارٌ دقيق يؤكِّد على ثنائية البنية البشرية التي تحتاج للطعام وللكلمة معاً. بمقدار ما طعامي هو مسألةٌ جسديةٌ من أجل حياتي الرّوحية فإنّ طعام أخي مسألة روحية من أجل حياته الجسدية. 

    الإنسان دون أخيه الإنسان هو جثّة متحركة لا حياة لها. الآخر هو حياتي. الروابط الإنسانية حقيقية. العداوة والتمييز والعنصرية وكلّ ما يفصل إنساناً عن إنسانٍ هو زيف وعليه أن يبطل.

لقد غلب التواضعُ العنفَ. المسامحة مبدأ الحياة الجماعية. وتنطلق من تركيز الأهمية على المستقبل دون الوقوف عند أخطاء الماضي.

لهذا فالمهم هو التوبة وليس القضاء.

الإنسان ليس بما يملك بل بما يعمل، ليس بما "له" بل بما "هو". وبمقدار ما تحبّ ما لَكَ بمقدار ما تفقد ما أنت، وبمقدار ما تبذل ما لَكَ بمقدار ما تحقق ما أنتَ.

 كلّ موجود هو للخدمة وليس للتملّك؛ تملكه تفسده، تخدم بهِ توجده. 

    باتت الخليقةُ بيتَ الله العام مفتوحاً لكلّ البشر. الخليقة مائدة ممدودة لكلّ إنسان، تكفي الجميع إذا تقاسموها بحسب حاجاتهم وتنقص الجميع إذا جَشِعَ بها ولو واحدٌ. 

    انقلبت المعايير: السلطةُ من الحقيقة وليست الحقيقةُ في السلطة. السلطة دون الحقيقة رياء يحقِّر الإنسان ويخضعه للنـزوات.

الحقيقة ليست من الأكثرية أو الأقلّية، ولا من الكبار أو الصغار، بل من أنقياء القلوب والعطاش إلى البرّ. لهذا الودعاء سيتسلّطون على الأرض. 

    خيرُ كلِّ شيء نسبيّ، والمعيار هو الإنسان. كلّ شيء أُوجد من أجل الإنسان:

الشريعة، المال، المجتمع، الدين والخليقةُ كلّها، لا يحقّ لأيّ منها أن يسمو على قيمة الإنسان.

 الإنسان هو السيّد وكلّ ما سبق خدّام. لهذا لا يُصنَّفُ الناس بمعايير كتلك: شرائعيّة، أو طبقيّة، أو دينيّة... والإنسانية ليست معنىً مجرّداً ومواصفاتٍ خُلقيةً، بل هي القيمة المحددة والثمينة لكلّ حياةٍ بشرية في أيّ إنسان على وجهِهِ مسحةُ الله الذي خلقه. 

    انقلابات فظيعة: يستلمُ أسمى الشؤون البسطاءُ، بطرس يفوق أفلاطون ولصّ اليمين يخزي بيلاطس. خشبة صليبٍ ترمي إمبراطورية! أين القوة التي تجعل لمثل هذا الضعف سلطاناً كهذا؟

 إنّها الحقيقة التي إذا ما نشبت في قلبٍ امتدتْ إلى كلّ القلوب.

القلوب عطشى إلى الحقيقة مهما خافت من السلطة، ولا سلطة بالنهاية إلاّ للحقيقة. لذلك لم يكن ضرورياً ليسوع أن يدخل أورشليم على أسدٍ بل دخلها على حمار، السلام أقوى من السلاح.

تهوي التراتبيّات الاجتماعية وتسقط الطبقيات لتتسلسَلَ الأمورُ بحسب قوة الرّوح ومواهبه، فالأول هو الأخير والسيّد هو الخادم، والخدمة الأفضل التي فيها بذلٌ أكثر.

 



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +