Skip to Content

الأغنياء والفقراء - الأرشمندريت توما بيطار

الأغنياء والفقراء

Click to view full size image

 الأرشمندريت توما (بيطار)

رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي - دوما

 قال أحدهم عن صديق عزيز عليّ إنّه يحبّ الأغنياء. قال ذلك بلهجة اتّهامية وكأن في محبّة الأغنياء نقيصة. أجبته: بكل تأكيد، ولكنّه يحبّ الفقراء أيضاً!

هل هناك قول إلهي يمنع محبّة الأغنياء؟ كأنّك تظنّ أنّ في محبّة الأغنياء محاباة لا محالة؟ أليس الأغنياء، أيضاً، برسم الخلاص؟ هل الأغنياء بخلاء أو مستغِلّون بالضرورة؟

هل هم أشرار لأنّهم أغنياء؟ يوسف الرامي كان غنيّاً (مت 27) لكنّه كان غيوراً ليسوع، وقد أنفق عليه، إثر صلبه، إذ اشترى أكفاناً وطيوباً وحنّطه وجعله في قبر جديد كان له. من جهة أخرى، يهوذا الإسخريوطي، أغلب الظنّ أنّه كان فقيراً، ومع ذلك فقد باع السيّد بثلاثين من الفضّة.

 يوسف الرامي صار قدّيساً في الكنيسة ويهوذا الإسخريوطي، بعدما كان واحداً من الإثني عشر رسولاً الأوائل، صار خائناً. وحدهم الموتورون يحسبون الفقراء صالحين والأغنياء فاسدين. بين الأغنياء، كما بين الفقراء، هناك الحسن وهناك الرديء.

الغنى لا يؤدّي، بالضرورة، إلى فساد الأخلاق، والفقر لا يجعل صاحبه، بالضرورة، ذا أخلاق حميدة. الغنى تجربة والفقر تجربة أيضاً.  

صحيح أنّ السيّد قال إنّه أيسر أن يدخل الجمل من ثقب الإبرة من أن يدخل غنيّ ملكوت السموات، لكنّه قال أيضاً إنّ ما هو غير مستطاع عند الناس مستطاع عند الله، وكل شيء مستطاع عند الله. الغني عرضة لتجربة البخل والاستغلال وقسوة القلب، هذا لا شكّ فيه.  

لهذا، بالضبط، هم بحاجة لمَن يحبّهم، لمَن يرعاهم، لمَن يساعدهم حتى يصيروا كرماء في التوزيع، أمناء في التعامل، رفيقين في المحبّة.

 ألم يشأ الربّ الإله أن يدخل بيت زكّا؟ وماذا كانت النتيجة؟ زكّا تغيَّر!

 قال للربّ: ها أنا ذا أُعطي نصف أموالي للمساكين وإن كنت قد غبنتُ أحداً أردّ له أربعة أضعاف. وقد علّق يسوع على عزم زكّا بالقول:

"اليوم حصل الخلاص لهذا البيت لأنّه هو أيضاً ابن إبراهيم".

 بالعكس، لأنّ الأغنياء تجربتُهم ليست بقليلة وخلاصهم في خطر يحتاجون إلى محبّة أعمق وإلى رعاية أوفر. طبعاً مَن يرعاهم عرضة لأن يحابيهم، لأن يتزلّف لهم، لأن يعوِّج الحقّ سعياً وراء مكافآتهم،

 لأنّ يشتهي عِشرتهم وطريقة حياتهم، هذه تجربة ليست بقليلة، ولكن هل يجوز أن يكون ذلك مبرِّراً لتجنّب الأغنياء وإدانتهم ومعاداتهم ومحاربتهم؟ فقط ضعفاء النفوس يتعلّلون بمثل علل الخطايا هذه. 

هل الموضوع أن تحمي نفسك من تجربة غنى الأغنياء وحسب؟ طبعاً هذا عليك أن تفعله في كل حين ولكنْ لو كنتَ تحبّ الله، لو كنت فقيراً إليه، لو كنت لا تطلب شيئاً لنفسك إلاّ رضاه لما كان عليك خوف.

لو كنت أصيلاً في رعايتك لما كنت تخشى الأغنياء ومفاسد الغنى.

ليس حقاً أن تنتقد الآخرين والعلّة فيك! أصلح نفسك أولاً تبصرْ جيداً كيف تتعامل مع الأغنياء، كيف ترعاهم. وإن لم تصلح نفسك فلست فقط في موضع مَن يسيء إلى الأغنياء بل إلى الفقراء أيضاً.  

مستحيل عليك أن ترعى الفقراء رعاية حقّانيّة إن كنت في، قرارة نفسك، غير فقير إلى ربّك ومحبّاً للغنى. لا تستحقّ، إذ ذاك، أن تكون في موقع الرعاية أصلاً. أخشى، يا صاحبي، في معظم الأحيان، أن تكون العداوة للأغنياء، في النفوس، ناشئة عن الحسد، وأن يكون التظاهر بمظهر الغيرة على الفقراء شكلياً على نحو ما فعل يهوذا الإسخريوطي.

هذا تذرّع بمحبّة الفقراء عندما علّق على ما فعلته المرأة التي سكبت الطيب على السيّد بالقول إنّه كان يمكن أن يباع هذا الطيب بثلاثمائة دينار ويُعطَى للفقراء.

قال ذلك لأنّ الصندوق كان عنده وكان هو سارقاً ولصّاً. كثيراً ما تَلقى، يا صاحبي، قوماً يعادون الأغنياء ويرفعون راية قضيّة الدفاع عن الفقراء، ويكون، في العمق، أنّهم يرومون، هم أنفسهم، أن يصيروا أغنياء، ومتى اغتنَوا ضربوا الصفح عن الفقراء واستغلّوهم بالقول والعمل معاً وضارعوا بعض الأغنياء قسوةَ قلب وزادوا من باب ردّ الفعل.  

فلا نؤخَذَن، يا صاحبي، بالمظاهر والشعارات. الإنسان الساقط ساقط في كل حال. ولو كان فقيراً في الظاهر فنفسه تشتهي الغنى. النفس حيّالة، ما أخبثها! 

ما رأيك، يا صاحبي، أن نحبّ الأغنياء ونعتني بهم ثمّ نأخذ منهم ونعين الفقراء؟

الغنى والفقر واقعان لا يُلغَيان بالكلام والتمنّي والشعارات. المهم أن نبني جسراً بين الغنيّ والفقير، أن يصير الواحد للآخر سبب فرح وشكران لله. إن تَعَلَّم الغنيّ محبّة الفقير تعلّم الفقرَ إلى الله، وإن تعلّم الفقيرُ محبّةَ الغنيّ تعلّم أنّ كل عطيّة صالحة هي منحدرة من العلو من عند أب الأنوار. أليس هذا هو الطريق إلى تآخي الغنيّ والفقير؟

ألسنا جميعاً مدعووين لأن نصير إخوة؟ ألم يقل السيّد:

"وأنتم جميعاً إخوة" (مت 23)؟

هذه العداوات في المبدأ بين الأغنياء والفقراء ليست من الله. هذه شعارات سياسيّة يستغلّها مَن يريدون أن يوهمونا أنّ المجتمع صراع طبقات. والذين يفعلون ذلك يستغلّون الأغنياء بإثارة مخاوفهم والفقراء بإثارة أحقادهم وتحويل الخوف والحقد إلى طاقة عنف ليصلوا إلى مأربهم. ومأربهم، في العمق، أولاً، هو الوصول إلى السلطة.

مشكلتنا ليست لا مع الغنيّ ولا مع الفقير.

مشكلتنا هي مع أنفسنا، الغنيّ مع نفسه والفقير مع نفسه. كلٌّ بحاجة لأن يصلح نفسه، لأن يتوب إلى ربّه، والكلّ بحاجة إلى رعاية ليتعلّم كيف يفعل ذلك. لا بديل عن هذا النهج.

وكلّ نهج آخر يُظهر شيئاً ويُبطن شيئاً آخر. المهم أن يعرف الإنسان نفسه، أن يعرف حقيقة ما في داخله حتى تكون تدابيره قويمة وإلاّ يوجد كاذباً من حيث لا يدري وتكون تدابيره ملتوية، بدل أن يحلَّ أزمة الإنسان والكيان يزيدها تفاقماً.

إذ ذاك يدور في حلقة مفرغة ويرتكب الأخطاء عينها مرّة بعد مرّة إلى ما لا نهاية على غير طائل، ويستشري الظلم والعمى. 

المسيح أزال الحاجز المتوسّط بين الأغنياء والفقراء. وحده كلامه منهج الحياة الحقّ. يعيد الإنسان إلى نفسه، والغنيّ إلى الفقير، والفقير إلى الغنيّ، والناس إلى بعضهم البعض والكلّ إلى الله.

أيّهما أكثر إنسانيّة وأقرب إلى قلب الله أن نسعى إلى قمع الأغنياء والبطش بهم ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم أم أن نوجّه الجهد نحو رعايتهم والصلاة لأجلهم وإقناعهم بأنّه خير لهم وللآخرين أن يشتركوا في الخيرات التي هي بين أيديهم مع المعوزين؟

 أيّهما أكثر إنسانيّة واقرب إلى قلب الله أن نحرّك أحقاد الفقراء والمحرومين ونستغلّها لنقيم الناس على الناس ونباعد ما بينهم والأغنياء أم أن نوجّه الجهد نحو رعايتهم وتشجيعهم على التعامل مع الأغنياء كإخوة قادرين، بنعمة الله، على مساعدتهم والتخفيف عنهم أثقال المعيشة؟

لعمري هذه هي السياسة الأكثر ملاءمة للإنسان والأدنى إلى تجسيد الكلمة الإنجيليّة.

طبعاً نتمنّى ونسعى، من خلال القانون والنظام، إلى وضع حدّ للاستغلال وإحقاق العدالة الاجتماعيّة.

فإن تحقّق هذا الأمر فحسناً يكون وإن لم يتحقّق فليس الحلّ بضرب الأغنياء واستيلاء الدولة على ثروات البلد. موظّفو الدولة، الكبار والصغار، إذ ذاك، سيشكّلون طبقة أغنياء جديدة. وفرة السلطات والمقدّرات والأموال تفسد القيّمين عليها إلاّ ما ندر.

فقط القدّيسون بإمكانهم أن يتعاطوا الغنى والسلطة الكبيرَين باستقامة دون أن ينفسدوا.

ما تبقّى الناس ناس ولهم شهواتهم ولهم ضعفاتهم ولهم تجاربهم ولو عرفوا أن يموِّهوها ويتوارَوا وراء شعارات خاوية رنّانة. السياسة، في المدى الأخير، لا تحلّ المشكلة. تحلّها في المبدأ ولا تحلّها في التطبيق.

في الظاهر يمكن أن تحقّق بعض العدالة. أما في عمقها التنفيذي فهي مضروبة، لا محالة، بشهوة السلطة والغنى لدى الناس إلاّ القدّيسين. وهؤلاء لا يعملون في السياسة.

السياسة، على أرض الواقع، تنفِّر القدّيسين وتلفظهم خارجاً. ولو عمل القدّيسون في السياسة فإنّهم لا يلبثون أن يشعروا بالإحباط وييأسوا. 

ليس غير الرعاية على التحابب والتعاون وحفظ الكلمة الإلهيّة ينفع، وإلاّ بقي عالمنا يتمرّغ في الشعارات والعنف والأوهام، على غير طائل، إلى ما شاء الله.

كل نفس مدمنة السلطة والغنى، نهجاً، طالما بقيت مستغنية عن الله!

 



عدد الزوار

free counters



+ † + AVE O MARIA+†+ لم يكن هذا الموقع صدفةً عابرة، بل دبّرته العناية الإلهية ليكون للجميع من دون اسثناء، مثالاً للانفتاح المحب والعطاء المجاني وللخروج من حب التملك والانغلاق على الانانية. مُظهراً أن الله هو أبَ جميع الشعوب وإننا له أبناء. فمن رفض أخاه الانسان مهما كان انتماءه، رفض أن يكون الله أباه. + † + AVE O MARIA +